فهرس الكتاب

الصفحة 2940 من 4557

و يجدر بنا هنا أن نشير إلى موقف الزملاء النصارى إزاء المعجزات المعنوية , أنهم يقررون أن المعجزة يجب أن تكون حسية مثل إحياء الموتى , إنهم يريدون بذلك أن يصلون إلى كون المعجزة ليست معنوية وبالتالي يجب على المسلم أن يترك الأحتجاج بالقرآن واعتباره معجزة !!

و أنا هنا أسأل ...

أليست المعجزة المعنوية في نص كتاب إذا تحقق فيها خرق عوائد البشر في القول ، وعوائد البشر في النبوغ والعبقرية ،فجاء النص بمعطيات يستحيل على طبيعة قدرة البشر في التفكير والصياغة الأتيان بمثلها يكون النص خارقا للعادة.أي خارقا لعادات البشر في التفكير ؟

فلماذا تحصرون خرق الطبيعة في خرق العادة الجارية في الطبيعة المادية ، وتستبعد خرق العادة الجارية في طبيعة التفكير البشري ومحدوديته؟

نحن كمسلمين نعتقد أن نبي الاسلام له معجزة معنوية أساسية هي القرآن. وله معجزات حسية , و هناك ثمة معجزة أخرى ألا و هي شخصية الرسول الكريم صلى الله علية و سلم

فيمكننا المناقشة في أي منها .

و لكن الشئ الأساسي أن معجزة محمد صلى الله علية و سلم الرئيسية هي المعجزة المعنوية و هي القرآن الكريم .

و في مداخلتي تلك سأقتصر بالحديث عن معجزة القرآن الكريم .. فهي الدليل القاطع الذي لا يقبل الشك على نبوة محمد صلى الله علية و سلم .

وهنا يطرح السؤال ما السبب في كون معجزه أنبياء بني إسرائيل حسية ، بينما معجزة النبي ص معنوية أكثر منها حسية ( القرآن الكريم ) ؟؟؟

السبب في ذلك أن الاسلام مع محمد صلى الله علية و سلم كان موضوعا ليكون ديانة خاتمة ، ومن ثم ينبغي أن تكون المعجزة مستمرة ، وهذا مما لا يتحقق بمعجزة حسية تخرق عادة كونية ،فلا يراها إلا المشاهد الحاضر ،بل لابد من معجزة معنوية تخاطب الأنسان في مختلف لحظات تطوره.

وتلك المعجزة هي القرآن الكريم .

كما أن طبيعة المعجزة الأسلامية تفيد ضمنيا انتقال البشرية إلى طور جديد ، طور إقرأ ، طور الرشد والتفكير العقلي.

أجل ثمة معجزات من قبيل الطبيعة الحسية فقط تم تعزيز النبي ص بها ، لكن معجزته الأساسية تبقى هي القرآن.

لكن ما الدليل على صحة كون المعجزة المحمدية هي القرآن؟هل قال محمد بذلك ، أم أن هذا مجرد استنتاج من قبلنا أو من قبل العلماء؟

إن الدليل على ذلك نجده صريحا في القرآن نفسه حيث يقول مجيبا مشركي قريش الذين طالبوا بآيات / معجزات مادية حسية:

"وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم" (50 ،51- العنكبوت) .

كما أن النبي ص يؤكد نوعية المعجزة التي اختص بها حيث يقول:

"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا"رواه البخاري .

نأتي الآن إلى المعايير الثلاثة التي يجب اختبار المعجزة بها:

قلنا إن المعجزة لابد أن تقرن بشرط التحدي.وإلا لم تسم معجزة تصديقية.

فهل تحقق هذا الشرط لمحمد ؟

أجل . فقد جاء التنزيل القرآني بتحد سافر يتلو بعضه بعضا:

ففي البداية جاء بخطاب يتحداهم بنبرة أشعرتهم بقوة مصدر التحدي ،حيث لم يتحد قبيلته فقط ، ولا حتى جميع قبائل العرب بل جاء بخطاب أوسع في لغة التحدي ،حيث قال:

"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا" (88 -الإسراء) .

ولم تأت استجابة للتحدي .

فجاء بتحد آخر فيه اقتدار على مزيد من إظهار عجز المتحدى - بفتح الدال وتشديدها- حيث قال:

"أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" (13، 14- هود) .

وهنا إظهار للعجز على نحو أكثر سفورا ،فهو لم يطالبهم بأن يأتوا بالقرآن بل فقط بعشر سور مثله.

ولم يأت الرد!!!!!

وإمعانا في إظهار إعجاز المتحدى ، جاءت آية أخرى بأقسى مما سبق:

"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله" (23- البقرة) .

ما دلالة هذا التحدي ؟

لكي ندرك دلالته جيدا. يجب أن نستحضر شيئا من تاريخ العرب ، وخاصة تاريخهم الثقافي ،فقد كانت القبائل تتبارى في سوق عكاظ بمعارضة القصائد ، وكانت تعقد محاكمات للتفاضل بين الشعراء . ولم يقل شاعر بأن قصيده لا يمكن أن يؤتى بمثله أو بأفضل منه.

لكن محمد الذي لم يسبق أن سجل التاريخ أنه كان لديه إلمام أو تجربة شعرية ، بل لم يسجل التاريخ أنه تبارى يوما في عكاظ أو غيرها بنص شعري ، هذا الرجل يأتي بنمط من القول جديد في سبكه وصياغته . ثم لا يتحدى بلغاء وشعراء قبيلته فقط ، ولا يذهب إلى مجلس معارضة شعرية ليبز من حضر فيها فقط ،بل يعلن التحدي سافرا جامعا مانعا للجميع قائلا فأتوا بسورة من مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت