فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 4557

وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها فهي لا تؤدي بمجرد النية ولا بمجرد التوجه الروحي ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلا ظاهرا قياما واتجاها إلى القبلة وتكبيرا وقراءة وركوعا وسجودا في الصلاة وإحراما من مكان معين ولباسا معينا وحركة وسعيا ودعاء وتلبية ونحرا وحلقا في الحج ونية وامتناعا عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم وهكذا في كل عبادة حركة وفي كل حركة عبادة ليؤلف بين ظاهر النفس وباطنها وينسق بين طاقاتها ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص ولقد علم الله أن الرغبة الفطرية في اتخاذ أشكال ظاهرة للقوى المضمرة هي التي حادت بالمنحرفين عن الطريق السليم فجعلت جماعة من الناس ترمز للقوة الكبرى برموز محسوسة مجسمة من حجر وشجر ومن نجوم وشمس وقمر ومن حيوان وطير وشيء حين اعوزهم أن يجدوا متصرفا منسقا للتعبير الظاهر عن القوى الخفية فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة مع تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة فيتوجه الفرد إلى قبلة حين يتوجه إلى الله بكليته بقلبه وحواسه وجوارحه فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى الإنسان في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان ; وإن يكن الإنسان يتخذ له قبلة من مكان ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد ; كما أنه بدوره ينشىء شعورا بالامتياز والتفرد ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنه كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم وعقلية عن عقلية وتصورا عن تصور وضميرا عن ضمير وخلقا عن خلق واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله ص قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وقال رسول الله ص وقد خرج على جماعة فقاموا له لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها وقال صلوات الله وسلامه عليه لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله نهى عن تشبه في مظهر أو لباس ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك ونهى عن تشبه في قول أو أدب لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور ومنهجا في الحياة عن منهج وسمة للجماعة عن سمة ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض نهى عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض الهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في لنفس لتقلد هذا المجتمع المعين والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية ; فينبغي لها أن تستمد تقاليدها كما تستمد عقيدتها من المصدر الذي اختارها للقيادة والمسلمون هم الأعلون وهم الأمة الوسط وهم خير أمة أخرجت للناس فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه

ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور وأقوم منهج في الحياة فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه وما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر ; وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر ; وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله والوحدة في الأرفع من التصور والوحدة في الأفضل من النظام ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله والتردي في مهاوي الجاهلية ليس متعصبا أو هو متعصب ولكن للخير والحق والصلاح

والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز رمز للتميز والاختصاص تميز التصور وتميز الشخصية وتميز الهدف وتميز الاهتمامات وتميز الكيان والأمة المسلمة اليوم بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة ; والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة ; والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور ; والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت