فهرس الكتاب

الصفحة 3043 من 4557

ب- أما في اصطلاح المحدثين: فقد عرفه ابن الصلاح بقوله: هو المختلق المصنوع [4] ، وعرفه غيره بأنه هو: ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم اختلاقا وكذبًا مما لم يقله أو يفعله أو يقره [5] .

التعريف بالحديث الموضوع:

الموضوع شر الحديث الضعيف جملة وتفصيلًا ، وقد جعله العلماء آخر درجات الحديث الضعيف، وإنما جعلوه من درجاته لأجل التقسيم المعرفي وبحسب إدعاء واضعه، وإلا فهو ليس من أنواع الحديث أصلًا.

عبارات العلماء في التعريف بالحديث الموضوع والإشارة إليه:

1-التصريح بوضعه فيقولون: موضوع، باطل، كذب.

2-قولهم في الحديث: لا أصل له، لا أصل له بهذا اللفظ، ليس له أصل.

3-قولهم في الحديث: لا يصح، لا يثبت، لم يصح في هذا الباب شيء.

مصادر الحديث الموضوع:

أ - قد يخترعه الواضع من نفسه ابتداءً، وينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعرف ذلك: إما بإقراره أو ما ينزل منزلة الإقرار: كأن يدعو الحديث إلى مبدأ يدعو إليه الوضاع، أو تدل على ذلك قرائن الأحوال.

ب- قد يأخذ الواضع كلام غيره فينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون الموضوع إما من كلام الصحابة أو من كلام التابعين أو بعض قدماء الحكماء.. ونحو ذلك [6] .

ج- قد يهم الراوي فينسب كلام الغير إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن غير قصد وتعمد للوضع مثل"ومن كثرت صلاته في الليل حسن وجهه في النهار" [7] ، ولذا عده بعضهم في حكم المدرج [8] .

حكم الوضع في الحديث النبوي وعقوبة الوضاعين في الآخرة:

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم:"وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحي والكذب عليه كذب على الله تعالى، قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [9] " [10] .

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكم وضعه، وتوعد بالعقاب الشديد والعذاب الأليم لمن فعل ذلك، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"حدثوا عني ولا حرج، بلغوا عني ولو آية، إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد ، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" [11] وقد حكي عن بعض الحفاظ أنه قال:"لا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرون بالجنة إلا هذا، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا" [12] .

عقوبة من روى الحديث الموضوع في الدنيا:

أما عقوبة من روى الحديث الموضوع في الدنيا فقد أجاب ابن حجر الهيتمي المكي على سؤال ورد إليه ونصه كالتالي: لنا إمام يروي أحاديث لا يبين مخرجيها ولا رواتها فما الذي يجب عليه؟ فأجاب:"من فعله وهو ليس من أهل المعرفة بالحديث، ولم ينقلها عن عالم بذلك، فلا يحل له ومن فعله عزر عليه التعزيز الشديد.. ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبه"هذا فيمن روى حديثًا مجهول الحال فضلًا عن أن يكون موضوعًا، أما عن الموضوع بالذات: فقد كتب البخاري على ظهر كتاب ورده فيه سؤال عن حديث مرفوع وهو موضوع، فكتب"من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل".

توبة الواضع وحكم روايته بعدها:

لا خلاف بين العلماء أن توبة الواضع مقبولة، فمن تاب تاب الله عليه {ومن تاب وآمن وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} [13] ولكن مع قبول توبته هل تقبل روايته أم لا ؟ يرى الإمام أحمد وأبوبكر الحميدي شيخ البخاري وغيرهم أنه لا تقبل روايته أبدا، قال أبو بكر الصيرفي:"كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر" [14] ، واختار النووي القطع بصحة توبته وقبول روايته كشهادته، وحاله كحال الكافر إذا أسلم [15] .

حكم رواية الحديث الموضوع:

اتفق العلماء على تحريم رواية الحديث الموضوع، فلا تحل روايته لأحد علم حاله وعرف أنه موضوع، إلا مبينا حاله ومصرحًا بأنه موضوع، يقول الإمام مسلم:"إن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه.. وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلناه هو اللازم دون غيره، قول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } [16] وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} [17] فدل بما ذكر من الآيتين أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة" [18] .

أما من السنة فها هو صلى الله عليه وسلم يصرح بذلك في حديثه المشهور:"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" [19] ، وكفى بهذا الوعيد الشديد في حق من روى حديثًا يظن أنه كذب، فضلًا عن أن يروي ما يعلم كذبه ولا يبينه.

ولاشك أن من روى حديثًا موضوعًا فلا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إما أن يجهل أنه موضوع، وإما أن يعلم بوضعه بواحد من طرق العلم به، وهذا إما أن يقرن مع روايته تبيان حاله، وإما أن يرويه من غير بيان لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت