فهرس الكتاب

الصفحة 3074 من 4557

ثانيًا: من المقرر عند علماء المسلمين كافة أنه ليس لأحد أن يرسم من خياله صورة لنبى مرسل، ولا أن يحدد شخصيته ودوره، وسيرته في أمته، سواء كان هذا النبى هو النبى الخاتم صلى الله عليه وسلم ، أو غيره من الأنبياء0

فالأنبياء جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - قد اصطنعهم الله عز وجل لنفسه، وهو قد صنعهم على عينه، كما قال عز وجل في حق سيدنا موسى عليه السلام { وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى } ( ) وقال سبحانه: { واصطنعتك لنفسى } ( ) 0

وإثبات اصطناع الله عز وجل لواحد من الأنبياء، هو إثبات لاصطناع سائر الأنبياء، لأن حقوقهم واحدة من هذه الناحية لا تختلف أبدًا، فما يجب في حق واحد منهم يجب كذلك في حق الجميع، وما يستحيل في حق واحد منهم يستحيل كذلك في حق الجميع0

وعليه فالله عز وجل وحده الذى يستطيع أن يرسم لنا صورة لمن اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، ويحدد لنا شخصيته ودوره، وسيرته.. الخ هذا كله لله عز وجل وحده، وليس لأحد أن يتدخل في شئ منه0

ثالثًا: بناء على ما سبق فقد اعتبر العلماء أن سيرة النبى صلى الله عليه وسلم وشخصيته العطرة حددها رب العزة في كتابه العزيز. واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام مسلم وغيره من طريق سعد بن هشام بن عامر ( ) أنه سأل عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"يا أم المؤمنين أنبئينى عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شئ حتى أموت" ( ) 0

وفى رواية عنها قالت:"كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. ثم قالت أتقرءون سورة"المؤمنون"؟ قال: قلنا نعم، فقالت: اقرأ، قال: فقرأت: { قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون } ( ) فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ) وفى رواية ثالثة قالت:"كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه" ( ) 0"

وهذا الجواب الوجيز الجامع من أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها:"فإن خلق نبى الله القرآن"أجمع وصف يعرف به شخصيته صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة0

فقد أفادت عائشة رضى الله عنها السائل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل القرآن في أقواله وأفعاله، وأوامره، ونواهيه"وأن كلامه كان مطابقًا للقرآن تفصيلًا وتبيانًا، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعماله: ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه: لما منع منه القرآن، ورغبته: فيما رغب فيه القرآن، وزهده: فيما زهد فيه، وكراهيته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره0"

فترجمت أم المؤمنين رضى الله عنها لكمال معرفتها بالقرآن، وبالرسول صلى الله عليه وسلم ، عن هذا كله بقولها: كان خلقه القرآن، وقد حسن تعبيرها وجمع من المعانى مالا يجمعه كثير الكلام0

وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى" ( ) فهم أن يقوم ولا يسألها عن شئ كما جاء في الحديث، وتأهب لأن يرجع إلى القرآن فيبحث عن مكنونات جواهره الأخلاقية، ويستدل بها على أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان أوفى من يطبق آياته0"

ولا ريب أنه إن فعل ذلك فإنه سيجد بغيته كاملة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان متمسكًا بآداب القرآن وأوامره، ونواهيه، وجميع ما قصه الله تعالى! في كتابه من مكارم الأخلاق عن نبى أو ولى، أو حث عليه أو ندب إليه، كان صلى الله عليه وسلم متخلقًا به0

وكل ما نهى عنه ونزه عباده عنه، كان صلى الله عليه وسلم لا يحوم حوله، لأنه كان يبين القرآن بأقواله وأفعاله وأحواله، وتلك هى مهمته التى كلفه الله تعالى بها بمثل قوله عز وجل: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } ( ) 0

ولأن الإحاطة بكل أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، والتعرض لحصر جزئياتها تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، وأمر يطول، أرادت السيدة عائشة رضى الله عنها أن تقرب للسائل إدراك ما لابد من إدراكه من تلك الجزئيات الأخلاقية فأوقفته على مثال واحد، وهو ما تضمنته مقدمة سورة المؤمنون"ليذهب فيستضئ بذلك المثال، لاستنباط أخلاقه صلى الله عليه وسلم من القرآن على ذلك الغرار."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت