فهرس الكتاب

الصفحة 3076 من 4557

أما عملية استنباط النتائج والأحكام، والمبادئ، والمعانى، من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمى آخر يميز بعلم الحديث رواية، وهو عمل علمى متميز، ومستقل بذاته، ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى، من شأنها أن تضبط عملية استنباط النتائج والأحكام من تلك الأحداث، ضمن قالب علمى يقصيها عن سلطان الوهم، وشهوة الإرادة النفسية، والتى عبر عنها أعداء الإسلام من خصوم السيرة العطرة الواردة في السنة المطهرة بصياغاتهم الخبيثة التى سبق ذكر بعضها في أول هذا الفصل0

وهذا بخلاف أئمة الإسلام من الفقهاء والمحدثين فقد استنبطوا من أحداث السيرة النبوية طبقًا لقواعد علم الحديث رواية، أحكامًا كثيرة، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك ( ) 0

إذن ليس للإمام البخارى، وغيره من أئمة السنة الشريفة، من أصحاب المصنفات الحديثية، والتاريخية، أن يرسموا شخصية النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا سيرته العطرة، لأن دورهم كما سبق، هو تسجيل تلك التراجم الحية التى اشتمل عليها القرآن الكريم، من عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، وحدود، وغزوات، وأحوال شخصية… الخ0

خامسًا: التأكد من صحة نقل السيرة النبوية الواردة في السنة المطهرة، سهل ميسور من خلال دراسة السند والمتن، وهذا ما قام به أئمة أعلام من سلفنا الصالح، وأسفرت نتيجة جهودهم، إلى صحة أصول السيرة النبوية التى اشتملت عليها صحاح كتب السنة، وعلى رأسها الصحيحين للبخارى ومسلم، وهذان المصدران (القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة) أهم مصادر السيرة وأوثقها، وإليهما نرجع للاستيثاق مما يوجد في المصادر الأخرى من كتب السيرة والتاريخ، والتى تتنوع بحسب موضوعاتها إلى كتب الشمائل، وكتب دلائل النبوة، وكتب المغازى، وكتب السيرة بوجه عام ( ) 0

سادسًا: إذا كان القرآن الكريم أوثق كتاب على وجه الأرض، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل في التشكيك بنصوصه وثبوتها التاريخى0

وإذا كانت السنة الشريفة نقلت لنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح المتصل مما يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها0

فإنك تجد نفسك في النهاية أمام أصح سيرة وأقواها ثبوتًا متواترًا هى سيرة المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم 0

واتباع تلك السيرة المطهرة، والاهتداء بها، واعتمادها في معرفة شخصية النبى صلى الله عليه وسلم . ليس في ذلك عبادة للرجال الذين دونوها، كما يزعم أعداء الإسلام من خصوم السنة لأن الرجال الذين دونوها من الأئمة الأعلام، دورهم كما سبق هو تسجيل ذلك البيان النبوى للقرآن الكريم قولًا وعملًا، وتلك حقيقة علمية تاريخية لا ينكرها إلا جاحد!0

فأين عبادة الرجال التى يزعمها عبدة أهواءهم وشياطينهم؟! قال تعالى: { افرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } ( ) ، وقال سبحانه: { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوًا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } ( ) 0

سابعًا: ليس في الربط بين القرآن الكريم، والسنة النبوية في تحديد شخصية وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم ، شرك وتأليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يزعم أعداء السنة المطهرة ( ) ، لأن الربط هنا ربط إلهى، وطاعة لله عز وجل0

فرب العزة هو الآمر لعباده بوجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم ، وتصديقه في كل ما يخبر به من الوحى الإلهى (متلو من القرآن، أو غير متلو من السنة) قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير } ( ) وقال سبحانه: { فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون } ( ) فالإيمان بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب متعين لا يتم إيمان إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه لقوله تعالى: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرًا } ( ) 0

فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والربط بين الإيمان به، والإيمان بالله عز وجل شرك؟! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا0

وإذا وجب الإيمان به صلى الله عليه وسلم ، وجب تصديقه وطاعته فيما جاء به من الكتاب والسنة، لأن ذلك مما أمرنا به المولى عز وجل في آيات عدة منها: قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ( ) وقال سبحانه: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا } ( ) 0

فتأمل كيف جعل رب العزة طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته، وقرن طاعته عز وجل بطاعته صلى الله عليه وسلم ، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره، واجتناب نهيه0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت