فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الله سبحانه وتعالى حين أنزل براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال في أول آية من الآيات العشر من سورة النور وهي نور من أولها إلى آخرها تجلى لنا حقائق كثيرة قال: إِنَّ الَّذِينَ جَاءوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ [النور:11] . يعني أنهم لم يكونوا فردًا ولا أفرادًا إنما كانوا جماعة ذات هدف معين يتزعمهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لعنة الله عليه، ومن ورائه عصبة من اليهود الذين ضلوا أن بعث الله نبيه، وهم يتآمرون على الإسلام علانية فلما باءت كل محاولاتهم بالفشل لجأوا إلى هذا الأسلوب الخسيس وإلى هذا الجرم والشناعة أن يشككوا في أطهر بيت وأشرفه عرفته البشرية منذ أن خلق الله آدم وإلى يومنا هذا، بل وإلى قيام الساعة.
ما الذي يفيدنا هذا؟ إن العصبة التي شككت في بيت رسول الله موجودة كما وجدت في زمان النبي موجودة، إلى اليوم نسمع من يرمي أم المؤمنين عائشة بالفحش، نسمع من يسمون أنفسهم بالشيعة الرافضة وبالباطنية الذين يلقون بيننا بحفاوة من قبل كثير ممن أعمى الله سبحاونه وتعالى بصائرهم عن نور الحق، وكانوا مثلهم في الجرم وكانوا مثلهم في البشاعة ومثلهم في الزندقة، بل ومثلهم في الكفر والردة، والذي يرمي أم المؤمنين عائشة بالفحش لا حظ له من الإسلام فهو أول المخالفين للإسلام، فهو أول مكذب بالقرآن، حيث برأ الله عائشة من فوق سبع سموات، لا حظ له من الإسلام، لأنه قد تناول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وتناوله إنما الهدف منه اتهام النبي ، والنيل من رسول الله هو النيل من الإسلام، لأننا إذا اتهمنا عرض أشرف رجل عند الله عز وجل وأكرمه، فماذا بقي بعد ذلك للإسلام من قداسة؟
هؤلاء الزنادقة اليوم ينالون من عائشة ويكدرون عرضها بأنهم ليس لهم حظ من الإسلام، لا نقول: إنه ليس عندهم تقوى إنما التقوى قد تضعف عند أهل الإسلام، لكن هؤلاء وإن تستروا باسم الإسلام، فلا حظ لهم من الإسلام، باطنية المكارم وكذلك البهرة الإسماعيلية القرامطة يعتقدون ما تعتقده الشيعة الإمامية الرافضة في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يلصقون بها الفحش، بعد ذلك يكون لهم موطئ قدم بيننا يكون لهم بين المسلمين مرتع في اليمن، ويلقون الحفاوة من قبل الدولة، كذلك والله إن هذه لجريمة بشعة ما علمت جريمة أبشع منها، كما أن النبي لم يعلم جريمة بشعة نالته ونالت من الإسلام مثل تلك الجريمة، لكن هكذا يدور الزمن دورته وإذا بنا نجد عصبة ذات هدف واحد هدفها النيل من عرض النبي تتمثل بالمنافقين من الباطنية الإسماعلية والشيعة الرافضة وكذلك العلمانيين الذين يكونون مع عصبة اليهود والصليبين يكونون جماعة ذات هدف منظم الهدف منه تشكيك المسلمين في دينهم، وترويج مثل هذه العقائد بين المسلمين.
إن هذا الحادث كما تعلمون أنه قد خاض فيه بعض من الصحابة من أجلاء الصحابة مسطح بن أثاثة الذي شهد بدرًا والنبي يقول: (( فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فغفر لهم فقال لهم: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم ) )غزوة بدر التي أعز الله بها الإسلام والمسلمين بثلة خالصة من المؤمنين، مسطح خاض فيها، سبحان الله، حسان بن ثابت شاعر النبي والذي كان يذب عن الإسلام ويدافع عن الدين ويدافع عن رسول الله بشعره لتكون شرارة يقذف الله سبحانه وتعالى بها على رؤوس الكافرين فتهلكهم وتبددهم، وهو الذي دعا له النبي ونصب له منبرًا في المسجد وكان يقول له اهجهم وروح القدس معك، كان من الخائضين، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها صحابية جليلة خاضت مع الخائضين، فهلكت مع من هلك من أهل الإفك، ما الذي يدل هذا الأمر يدل على النفوس الضعيفة وأن الابتلاء هو الذي يمحص النفوس، ونحن أيضًا مبتلون بهذا، إذا كان أصحاب رسول الله تربوا على يديه خاضوا مع الخائضين، وهلكوا مع الهالكين في حديث الإفك، لينالوا من عرض رسول الله وعرض زوجه وعرض كذلك صديقه الصديق أبي بكر ، فإن كثيرًا من المسلمين اليوم يجلسون المجالس فيفرون أعراض الناس الأبرياء، ويقذفون المحصنات المؤمنات البريئات بالتهم التي لا طاقة لها ولا فطام، وإذا بهم بعد ذلك يشككون في النوايا، ويقولون: فلان كذا وفلان ضال وفلان أضل من حمار أهله وفلان نيته سيئة، دخلوا في النوايا يفرون أعراض الأبرياء والدعاة والعلماء، لينالوا من الإسلام، لأنهم يفرون إلى الإعلام الكاذب الذي ما دأب إلا أن يشكك في الإسلام عن طريق حملة الشريعة الإسلامية وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الاْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا. [النساء:83] .
الحذر الحذر أئمة الإسلام من اللسان فإن اللسان يورد الإنسان الموارد والمهالك، النبي يقول لمعاذ بن جبل: (( كف عليك هذا وأشار إلى لسانه ) )فقال: يا رسول الله وإنا لمآخذون بما نتكلم به، قال: (( ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) )اللسان جرمه صغير وشره مستطير، إنه ثعبان لو لدغك فإنه يودي بدينك وبحياتك، ولربما يتكلم الإنسان بكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا، وإنك لترى الرجل يعجبك سمته وخلقه وهديه متورع عن الشبهات فضلًا عن تورعه عن أكل الحرام، ولكنه إذا جلس مجلسًا فإنه يفري في أعراض الناس، ويطلق للسانه العنان، فإنا لله وإنا إليه راجعون من هؤلاء الذين ابتلوا في أعراض الأبرياء.
إن هذا الحادث أخيرًا يبين لنا أن حملة الدين مستهدفون كم قرأنا وكم سمعنا وكم رأينا وما زلنا نقرأ ونسمع ونرى دعاة صادقين وعلماء أجلاء اتهمهم الطواغيت وأعداء الإسلام من اليهود والنصارى في أعراضهم، حتى إنهم أوذوا بين قومهم، فمنهم من أقيم عليه الحد، ومنهم من نبذهم الناس، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى قاضية أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، فما تدور عجلة الزمان إلا ويبرئ الله سبحانه وتعالى ساحة الأبرياء من أوليائه، ويأخذ الذين تولوا كبر الإثم والجريمة البشعة أخذ عزيز مقتدر.
برأ الله سبحانه وتعالى ساحة أوليائه لأنه هو الذي يدافع عن المؤمنين، فيا عبد الله يا من نيل منك في عرضك يا من اتهمت بتهم بشعة اعتصم بالله وكن به معتصمًا، اعتصم بالله وحده واستعن به وحده واعلم أن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38] .
اعتصم بالله وحده وكن بالله معتصمًا واذكر قول النبي فيما يرويه عن ربه عز وجل: (( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) )فإن من هو أفضل منك وأكرم عند الله قد نيل منه أشد ما نيل منك، فليكن ذلك أريحية لك يخفف عنك الألم والتهمة التي يعتصر قلبك منها اعتصارًا، فلا تبتئس بما يقولون، ولا بما كانوا يفعلون.
هذه هي الحقائق والدروس والعبر التي يجب أن نجليها لنستكشف واقعنا، فإن الهول الذي ينتظر الدعاة الصادقين هول عظيم، وهو ابتلاء قدره الله سبحانه وتعالى كونًا وقدرًا وشرعًا أن يكون لأوليائه، ليعلم الله سبحانه وتعالى الصادق في دينه والكاذب.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلوبنا على الإيمان والتقوى، وأن يعصم ألسنتنا من الإفك والافتراء والكذب والقذف، وكذلك يعصمنا من الزلل والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، فاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. .
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1764)
فهذه القصة العجيبة والحادثة الأليمة التي تحمل في طياتها من الدروس والعبر والعظات الشيء الكثير والتي نزل وقعها الأليم على أشرف خلق الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى زوجته الطاهرة أم المؤمنين عائشة وعلى أبويها أبي بكر الصديق وزوجته رضي الله عنهم أجمعين والتي واجهوها بالصبر القوي الذي ألهمهم الله إياه وثبتهم عليه عندما نزل بهم جميعًا هذا الابتلاء والامتحان والاختبار الذي يعتبر نبراسًا للأمة المسلمة لكي يستفيدوا منه دروسًا عملية في حياتهم ومستقبل أيامهم ليستلهموا منه العبر والعظات والتوجيهات وتسديد الآراء الصائبة، إن من التعليمات التي وجهها الله تبارك وتعالى إلى المسلمين _ وذلك في ضمن الآيات التي نزلت فيها براءة عائشة رضي الله عنها مما قال عليها المفترون _ أن لا يقبلوا من كل أحد قوله بدون روية إذا كان يرمي غيره بما لا يرونه فيه ولا يشيعوه في المجتمع، بل من واجبهم إذا وجدوا أن قد فشت في المجتمع مثل هذه الافتراءات والاتهامات الكاذبة أن يعملوا على كبتها ويحولوا دون شيوعها ويجتنبوا تناقلها بينهم، وإن الذين يلفقون الأخبار الفاحشة ويذيعونها أو يحاولون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم ويحاولون إلصاق التهم بالمؤمنين والمؤمنات ويرمونهم بما ليس فيهم، إنهم لا يستحقون الحماية والتشجيع، بل يستحقون العقاب وإقامة الحد على كل فرد منهم حتى يرتدع ويطهر لسانه وسمعه وبصره عن قالة السوء وقذف الغافلين من المؤمنين والمؤمنات وليرتدع غيره من المخدوعين بهذه المقالات السيئة إن كان مؤمنًا ويكون تطهيرًا له، وإن كان منافقًا كذلك يقام عليه الحد من أجل أن يكبت ويخرس لسانه ولئلا تسول له نفسه إشاعة الفاحشة واتهام الأبرياء مرة أخرى وليعلم أن هذا عقابه في الدنيا مادام على هذه الحال، وفي الآخرة عذاب عظيم.
أما المؤمنون فيجب أن يظنوا بأنفسهم خيرًا ولا يعتمدوا على سوء الظن وقالة السوء التي تنتشر في المجتمع بسبب منافق أو منافقة إذا هم سمعوا عن ذلك يجب عليهم أن يطهروا أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم من هذا البهتان على المؤمنين والمؤمنات، وإن كانت التهمة تلحق بأحد منهم فليصبروا وليحتسبوا جزاء صبرهم عند الله ،ثم إن كانت لديهم البينة على من أشاع ذلك فليطلبوا إقامة الحد الشرعي على ظهور أولئك المنافقين أو المخدوعين من المسلمين. وإلى خطبة أخرى نتحدث فيها عن بعض ما ورد في الآيات من سورة النور.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1807)