أما الآية الثالثة: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا {90} أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا {91} أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلًا {92} أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا {93} الإسراء93 , فمعناها يقول ( وقالوا ) أي تعنتًا (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ) أي عينًا غزيرة لا ينضب ماؤها في أرض مكة , إلى آخر الاية الكريمة حتى طلبوا أن يأتي بالله والملائكة أو يصعد إلى السماء أو يكون له بيت من ذهب , وهو من باب التعنت والعناد كما ترى وليس فيه أنه لم يأت بمعجزات أو أنه لن يأتي بمعجزات ولكنهم إشترطوا معجزات على هواهم هم وعلى حسب ما يريدون الإستهزاء به ظنًا منهم بالتعجيز ,وعن بن عباس قال عبد الله بن أبي أمية لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها , ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول , فما كان مقصود الكفار بهذه الإقتراحات إلّا العناد والتعنت واللجاج , ولو جائتهم كل آية لقالوا هذا سحر كما قال عز وجل { َلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ7} الأنعام , وهذا نقلته من تفسير البيضاوي صفحة 177 , 187 , 383 .
أما الآية الرابعة: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) الإسراء
قال الإمام الطبري في تفسيره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالاَيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم فلما أتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلم يصدّقوا مع مجيء الاَيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالاَيات، لأنّا لو أرسلنا بها إليها، فكذّبوا بها، سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها. وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك ـ حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن أياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: «بل تستأني بهم» ، فأنزل الله: وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بالاَياتِ إلاّ أنْ كَذّبَ بِها الأوّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً. وفي الجلالين هكذا: (وما منعنا أن نرسل بالآيات) التي اقترحها أهل مكة (إلا أن كذب بها الأولون) لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء وقد حكمنا بإمهالهم لاتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم (وآتينا ثمود الناقة) آية (مبصرة) بينة واضحة (فظلموا) كفروا (بها) فأهلكوا (وما نرسل بالآيات) المعجزات (إلا تخويفا) للعباد فيؤمنوا .
أما الآية الخامسة: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) سوة الأنعام
قال الإمام القرطبي رحمه الله هكذا: وكان هذا منهم نعتا بعد ظهور البراهين؛ وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب.
وقال الإمام الطبري هكذا: يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية, لا يعلمون ما عليهم في الاَية إنّ نزْلها من البلاء, ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك, ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزّلها عليك ( أي الآية المعينة المخصوصة التي يطلبونها ) لم يقولوا ذلك ولم يسألوكه, ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.