فهرس الكتاب

الصفحة 3188 من 4557

ثانيًا: لم يختلف المؤرخون الثقات في أن الذي بنى قبة الصخرة هو الوليد بن عبد الملك و ليس أبوه . هكذا أثبتها ابن عساكر و الطبري و ابن الأثير و ابن خلدون و ابن كثير و غيرهم و لم نجدهم قد ذكروا و لو رواية واحدة تنسب بنائها إلى عبد الملك . و لا شك أن بنائها لتكون بمثابة الكعبة التي يحج الناس إليها - كما يزعم المتهوك - حادث من أكبر الحوادث و أهمها في التاريخ الإسلامي فلا يعقل أن يمر عليه هؤلاء المؤرخون مرور الكرام بلا تعليق و قد جرت عادتهم أن يدونوا ما هو أقل قيمة و أهمية كتدوينهم وفاة العلماء و تولي القضاء و غير ذلك ، فلو كان عبد الملك هو الذي بناها لذكروها و لكنا نجدهم ذكروا بنائها في عهد الوليد و هؤلاء مؤرخون أثبات في كتابة التاريخ .

ثالثًا: نص الحادثة بين البطلان فإن بناء شيء ليحج الناس إليه كفر صريح ! فكيف يقدم عبد الملك عليه و هو الذي كان يلقب بحمامة المسجد لكثرة عبادته ؟

رابعًا: ولد الزهري عام 51 أو 58 و مقتل ابن الزبير كان عام 73 فيكون عمر الزهري حينذاك على الرواية الأولى 22 عامًا و على الثانية 15 فهل يعقل أن يكون الزهري في تلك السن ذائع الصيت عند الأمة الإسلامية بحيث تتلقى منه حديثًا موضوعًا يدعوها للحج إلى القبة بدل الكعبة ؟

خامسًا: نصوص التاريخ قاطعة بأن الزهري لم يعرف و لم ير عبد الملك اثناء حياة ابن الزبير فالذهبي يروي لنا أن الزهري وفد على عبد الملك لأول مرة في حدود سنة 80 و ذكر ابن عساكر أن ذلك كان سنة 82 فمعرفة الزهري لعبد الملك لأول مرة كانت بعد مقتل الزبير ببضع سنوات و قد كان يومئذ شابًا بحيث امتحنه عبد الملك و نصحه أن يطلب العلم من دور الأنصار فكيف يصح زعم المتهوك بأن الزهري أجاب رغبة صديقه عبد الملك فوضع له حديث بيت المقدس ليحج الناس إلى الكعبة في عهد ابن الزبير ؟

سادسًا: هذا الحديث مروي في كتب السنة كلها و من طرق مختلفة عن طريق الزهري فقد أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري من غير طريق الزهري و رواه مسلم من ثلاث طرق إحداها من طريق الزهري و ثانيتها من طريق جرير عن ابن عمير عن قزعة عن ابن سعيد و ثالثتها من طريق ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر عن عمران بن أبي أنس عن سليمان الأغر عن أبي هريرة .. فالزهري لم ينفرد براوية الحديث كما يزعم المتهوك بل شاركه فيه غيره .

سابعًا: هذا الحديث رواه الزهري عن شيخه سعيد بن المسيب و من المعلوم أن سعيدًا لم يكن ليسكت عن الزهري لو أنه وضع هذا الحديث على لسانه إرضاء لأهواء الأمويين و هو الذي أوذي ومن قبلهم و ضرب و قد توفى سعيد عام 93 أي بعد مقتل ابن الزبير بعشرين سنة فكيف سكت سعيد عن هذا كل هذه المدة و هو الذي كان جبلًا شامخًا من جبال الحق لا يبالي في الله لومة لائم ؟

ثامنًا: بفرض أن المسلمين قاموا بالحج إلى القبة فكيف قاموا بشعائر الحج المختلفة مثل السعي بين الصفا والمروة و الوقوف على عرفات ؟ و هل تصلح القبة لهذا ؟

و ماذا عن الزهري ؟

قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره ... إلخ ..

و قال أبو بكر بن منجويه: رأى عشرة من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم و كان من أحفظ أهل زمانه و أحسنهم سياقا لمتون الأخبار ، و كان فقيها فاضلا .

و قال محمد بن سعد: قالوا: و كان الزهرى ثقة ، كثير الحديث و العلم و الرواية فقيها جامعا .

و قال النسائى: أحسن أسانيد تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة ، منها: الزهرى عن على بن الحسين ، عن الحسين بن على ، عن على بن أبى طالب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود ، عن ابن عباس ، عن عمر ، عن النبى صلى الله عليه وسلم .

و قال سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار: ما رأيت أنص للحديث من الزهرى ، و ما رأيت أحدا الدينار و الدرهم أهون عليه منه . ما كانت الدنانير و الدراهم عنده إلا بمنزلة البعر .

و قال الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة ؟

قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم و قضايا أبى بكر ، و عمرو عثمان ، و أفقههم ، و أعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب ، و أما أغزرهم حديثا فعروة بن الزبير و لا تشأ أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بحراإلا فجرته . قال عراك: و أعلمهم جميعا عندى محمد بن شهاب ، لأنه جمع علمهم إلى علمه .

و قال عبد الرزاق عن معمر: قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: هل تأتون ابن شهاب قالوا: إنا لنفعل . قال: فائتوه فإنه لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه .

قال معمر: و إن الحسن و ضرباءه لأحياء يومئذ .

و قال عمرو بن أبى سلمة: سمعت سعيد بن عبد العزيز يحدث عن مكحول . قال: مابقى على ظهرها أحدا أعلم بسنة ماضية من الزهرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت