فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وحتى لو تفرد به أبو هريرة لما كان لطعنهم فيه من سبيل وحجة ، لما ثبت من حجيته وجلالته وحفظه ، ويمكن مراجعة ما كُتب حول هذا الصحابي الجليل في موضوع سابق بعنوان ( أبو هريرة الصحابي المفترى عليه ) .
وأما عبيد بن حنين فهو ثقة لا مطعن فيه ، ولم يذكره الحافظ في مقدمة الفتح فيمن تُكُلِّم فيهم من رجال البخاري ، وحتى لو فرض أنه تفرد برواية الحديث عن أبي هريرة لقبل تفرده لأن تفرد مثله لا يقدح في صحة الحديث .
وأما كونه من أخبار الآحاد ، فإن الأدلة شاهدة من كتاب الله ، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقوال السلف ، بل وإجماعهم - كما نقله غير واحد كالشافعي و النووي و الآمدي وغيرهم - على الاحتجاج بحديث الآحاد ، وقبول الاستدلال به في العقائد والعبادات على حد سواء ، وهي أدلة كثيرة لا تحصى ، وليس هذا مجال سردها ، وقد سبق الكلام عنها في مواضيع مستقلة بعنوان ( حجية خبر الآحاد ، والشبهات حوله ) ( حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام ) يمكن للقارئ الكريم الرجوع إليها ، ففيها الكلام مستوفى .
غرابته عن الرأي والتشريع
وأما الادعاء بأنه غريب عن التشريع لأنه ينافي قاعدة تحريم الضار واجتناب النجاسة ، فيرده بأن الحديث لم ينف ضرر الذباب بل أثبت ذلك حيث ذكر أن في أحد جناحيه داء ، ولكنه زاد ببيان أن في الآخر شفاء ، وأن ذلك الضرر يزول إذا غمس الذباب كله .
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ( 4/112) :"واعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم ، والحكة العارضة عن لسعه ، وهي بمنزلة السلاح ، فإذا سقط فيما يؤذيه ، اتقاه بسلاحه ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء ، فيغمس كله في الماء والطعام ، فيقابل المادة السمية المادة النافعة ، فيزول ضررها ، وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم ، بل هو خارج من مشكاة النبوة ، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج ، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق ، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوة البشرية".
والقول بنجاسة الذباب لا دليل عليه ، لأنه لا ملازمة بين الضرر والنجاسة ، ولذا كان هذا الحديث من أدلة العلماء على أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفس له سائلة فيه ، فالحديث لم يفَصِّل بين موت الذباب وحياته عند غمسه .
قال الإمام الخطابي رحمه الله في معالم السنن (5/340- 341) :"فيه من الفقه أن أجسام الحيوان طاهرة إلا ما دلت عليه السنة من الكلب وما ألحق به ، وفيه دليل على أن ما لا نفس له سائلة إذا مات في الماء القليل لم ينجسه ، وذلك أن غمس الذباب في الإناء قد يأتي عليه ، فلو كان نجسه إذا مات فيه لم يأمر بذلك ، لما فيه من تنجس الطعام وتضييع المال ، وهذا قول عامة العلماء".أهـ .
وقال ابن القيم في زاد المعاد 4/111- 112:"هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي ، وأمر طبي ، فأما الفقهي ، فهو دليل ظاهر الدلالة جدًا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع ، فإنه لا ينجسه ، وهذا قول جمهور العلماء ، ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك . ووجه الاستدلال به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بمقله ، وهو غمسه في الطعام ، ومعلوم أنه يموت من ذلك ، ولا سيما إذا كان الطعام حارًا . فلو كان ينجسه لكان أمرا بإفساد الطعام ، وهو - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بإصلاحه ، ثم عدى هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة ، كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك ، إذ الحكم يعم بعموم علته ، وينتفي لانتفاء سببه ، فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته ، وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته"أهـ .
أما الادعاء بأنه غريب عن الرأي لأنه يفرق بين جناحي الذباب فيدعي أن أحدهما يحمل سمًا والآخر شفاء ، فهو قول مناهض للحديث ، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم- هو الذي فرق بينهما ، كما أن هذا الادعاء مخالف للواقع الذي يجوز اجتماع كثير من المتضادات في الجسم الواحد كما هو مشاهد معروف .
ولو رجع أحدهم إلى أجوبة العلماء المتقدمين عن ذلك لوجد الجواب الشافي ، قال الخطابي معالم السنن ( 5/341- 342) :"وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له ، وقال: كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة وكيف تعلم ذلك حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء وما أربها إلى ذلك ؟."