فهرس الكتاب

الصفحة 3234 من 4557

ومن مزاعمهم إنكارهم الوحي بالمعنى الشرعي، وتفسيرهم له بالوحي النفسي، بل أسفَّ بعضهم فجعل الحالة التي كانت تعتري النبي - صلوات الله وسلامه عليه - عند الوحي نوعًا من الصَّرَع، إلى غير ذلك . ومن عجيب أمر المبشرين والمستشرقين أنهم في سبيل إرضاء أهوائهم، ونزواتهم الجامحة، وأحقادهم الموروثة يصحِّحون الروايات المكذوبة، والإسرائيليات المدسوسة، ما دامت تسعفهم وتساعدهم على باطلهم، على حين نجدهم يحكمون على روايات صحيحة، بل في أعلى درجات الصحة بالوضع والاختلاق؛ لأنها لا تؤيدهم فيما يجترحون من طعون، وتجنٍ أثيم على مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته. ومن أعمالهم السيئة بدعة الإكتفاء بالقرآن دون السنة ، ثم سرت عدوى هذه البدعة إلى كتابنا المعاصرين كالدكتور محمد حسين هيكل في كتابه"حياة محمد"، وقلما تجد أحدًا من المؤلفين المتأخرين في (السيرة النبوية) يذكر شيئًا من المعجزات الحسية.

ومن هؤلاء من يتلطف فيقول: إنه مادام القرآن آية دالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم-، فنحن في غنية عن غيره من الآيات، ولا سيما والكثير منها لم يثبت إلا بالطرق الآحادية التي لا تفيد اليقين، ومنهم من يجاهر فينكر المعجزات الحسية جملة!!

وأحب أن أقول لهؤلاء وأولئك: إن موقفهم من المعجزات الحسية وإنكارها، حدا ببعض المبشرين والمستشرقين إلى الطعن في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتفضيل غيره من الأنبياء عليه، بحجة أن النبي محمدًا - عليه الصلاة والسلام - ليس له من المعجزات الحسية المتكاثرة ما لموسى وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - ، وهكذا نراهم قد أعطوا لأعداء النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يقصدوا- متكأ لهمزه ولمزه.

وإليك ما ذكره الإمام الحافظ الكبير ابن حجر في هذا، قال: (وأما ما عدا القرآن من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدِّي به، ومنه ما وقع دالًا على صدقه من غير سبق تحدٍّ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده - صلى الله عليه وسلم- من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بجود حاتم، وشجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الآحاد، مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر، وانتشر، ورواه العدد الكبير، والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار، والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه الرتبة لعدم عنايتهم بذلك، بل لو ادّعى مُدَّع أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظري لما كان مستبعدًا، وهو أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدَّثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة، ولا من بعدهم مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك، ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق، لأن مجموعهم محفوظ من الإغضاء على الباطل) . (فتح الباري(7/392-393) 6

صلتهم بالفكر الإسلامي وأثر تلك الصلة في إثارة الشبه حول السنة:

سبق أن الحروب الصليبية كانت نقطة التحول في الصراع الفكري والعقدي والسياسي بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وأنها الدافع الأساسي للنشاط الاستشراقي المكثف، ولكن اتصال الغرب بالشرق في ذلك الوقت وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي كان اتصالًا عدائيًا مسلحًا، متمثلًا في الحروب الطاحنة التي ظلت آثارها باقية حتى الآن.

وفي نهاية القرن السادس عشر الذي يعتبر منطلق الإصلاح الديني في الغرب، كانت بداية الاتصال الاقتصادي المتمثل في اكتشاف موارد الثروة في العالم الإسلامي، واستغلالها ونقلها إلى الغرب في صورة تبادل تجاري وغير ذلك، وتبع هذا الاتصال السياسي المتمثل في سيطرة الغرب ونفوذه على العالم الإسلامي حتى بلغ أوجه خلال الفترة ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين، وخلال هذه الفترة الاستعمارية عمل الغربيون على تخلف المسلمين بإبعادهم عن دينهم حتى يتمكنوا من إخضاعهم إخضاعًا تامًا للسيطرة الغربية.

ففي تلك الفترة كان الاستشراق في ذروته لأنه كان مدعومًا من قبل الحكومات الغربية التي كانت توفر لهم الأسباب المعينة على دراسة العلوم الإسلامية حتى يتمكن الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية، فبحث المستشرقون في كل ما يتصل بالإسلام من تاريخ وفقه وتفسير وحديث وأدب وحضارة، وصبغوا كل ذلك بصبغة علمية مما أدى بتلك البحوث والدراسات أن تكون مراجع للكثير من الباحثين في المعاهد والجامعات العالمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت