ونحن إذ ندافع عن الإمام الزهري فإننا لا ننكر اتصاله بالأمويين ، ووجود علاقات وصلات بينهم وبينه ، استمرت طيلة أربعين عامًا ، ولكن هذه الصلة ما كانت لتؤثر أبدًا على ديانته وأمانته ، بل كان قائمًا فيها بما أوجبه الله عليه من النصح والتذكير والتوجيه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس أدل على ذلك من تلك المواقف التي أثبتتها كتب التاريخ ، والتي تبين مدى جرأته وصلابته في الحق ، وعدم مداهنته أو سكوته عن الباطل مهما كان قائله ، فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق ، و الذهبي في السير عن الشافعي قال: حدثنا عمي ، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال: يا سليمان من الذي تولى كبره منهم ، قال: عبد الله بن أبي ابن سلول ، قال: كذبت هو علي بن أبي طالب ، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول .
فدخل ابن شهاب الزهري ، فسأله هشام فقال: هو عبد الله بن أبي ، قال: كذبت هو علي ، فقال له:"أنا أكذب !! لا أبا لك ، فو الله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت ، حدثني سعيد بن المسيب ، و عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله ، و علقمة بن وقاص عن عائشة أن الذي تولى كبره منهم"عبد الله بن أبي"، قال:"فلم يزل القوم يغرون به ، فقال له هشام: ارحل فو الله ما كان ينبغي لنا أن نحمل على مثلك"."
فهذه الحادثة وأمثالها كثير تظهر لنا مدى ورع الإمام الزهري وصدعه بالحق الذي يعتقده دون وجل أو خجل .
ثم إن"جولد زيهر"نفسه قد صور عصر بني أمية على أنه عصر ظلم وجور ، وأن الأتقياء من علماء المدينة كانوا معهم في خصام وعداء مستمر ، والمعروف من ترجمة الزهري أنه نشأ بالمدينة ، وأخذ عن شيوخها ، وعلى رأسهم إمام التابعين في عصره سعيد بن المسيب فقد لزمه حتى مات ، وأخذ عن الزهري الإمام مالك في كل مرة يأتي بها إلى المدينة ، حيث ظل يتردد بين المدينة والشام - كما يقول هو عن نفسه - خمسة وثلاثين سنة ، فلماذا لم يبغضه علماؤها أو يحذروا منه أو يكذبوه إذا كان بالفعل يكذب ويضع الأحاديث لصالح الأمويين ؟! .
وهبْ أن الخوف من الأمويين كان هو الحامل لأولئك العلماء على عدم انتقاده ، فلماذا لم ينقده العلماء في دولة بني العباس ، كما هاجموا خلفاء بني أمية وأمراءهم وأعوانهم ؟!، لماذا سكت عنه أئمة الحديث وعلماء الجرح والتعديل كأحمد بن حنبل ، ويحي بن معين ، و البخاري و مسلم ، و ابن أبي حاتم ، وأمثالهم ممن كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ، وكان أحدهم ربما جرح أباه أو أخاه إذا كان فيه ما يستحق الجرح ، بل رأيناهم على العكس من ذلك يشيدون به ، وبحفظه وأمانته وإتقانه ، ويخرجون أحاديثه في كتبهم ، وإليك طرفًا من أقوالهم:
قال الإمام أحمد: الزهري أحسن الناس حديثًا ، وأجود الناس إسنادًا"، قال الإمام مالك رحمه الله: قدم ابن شهاب المدينة فأخذ بيد ربيعة ، ودخلا إلى بيت الديوان ، فما خرجا إلى العصر ، فقال ابن شهاب ما ظننت أن بالمدينة مثلك ، وخرج ربيعة وهو يقول: ما ظننت أن أحدًا بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب".
وعرفه ابن حبان في الثقات فقال:"كان من أحفظ أهل زمانه ، وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار ، وكان فقيها فاضلا روى عنه الناس"، وقال عنه الذهبي في السير:"الإمام العلم ، حافظ زمانه"، وقال في تذكرة الحفاظ:"الزهري أعلم الحفاظ"، وقال الحافظ ابن حجر:"الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه".
وكل هذا غيض من فيض مما قيل في هذا الإمام الجهبذ ، مما يبين بجلاء أنه كان فوق متناول الشبه ، وأرفع من أن تعلق به ألسنة السوء ، وأكرم من أن يوصف بكذب أو وضع أو ممالأة للباطل وأهله .
وأما قصة إبراهيم بن الوليد فإن رواية ابن عساكر في تاريخ دمشق قد صرحت بعرضه على الزهري ما سمعه منه ، وفيها يقول معمر: رأيت رجلًا من بني أمية يقال له: إبراهيم بن الوليد جاء إلى الزهري وعرض عليه كتابًا من علمه ، ثم قال: أحدث بهذا عنك يا أبا بكر ، قال: نعم ، فمن يحدثكموه غيري ؟ .
فعلى هذا يكون إبراهيم قد عرض على شيخه صحيفة هي من أحاديثه ، وهذا العرض يسمى في اصطلاح المحدثين ( عرض المناولة ) وهو أن يناول الشيخ التلميذ كتابًا من سماعه ، ويقول ارو هذا عني ، أو يأتيه الطالب بكتاب قد سمعه من الشيخ فيتأمله الشيخ ثم يقول ارو هذا عني ، وهو وجه من وجوه التحمل إذا كان معها إجازة ، وقد كان كثير من تلاميذ الزهري يعرضون عليه أحاديثه التي سمعوها منه ، فيتأملها ويجيزهم بها ، وما صنع إبراهيم بن الوليد - إن صحت الرواية - إنما هو من هذا القبيل ، أما أن يكون إبراهيم دوَّن أحاديث من عنده ، ثم طلب من الزهري أن يسمح له بروايتها عنه ووافقه الزهري على ذلك ، فهو مما يتنافى مع ديانة هذا الإمام وصدقه وأمانته ، فضلًا عن الحقيقة التاريخية .