فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولا يوجد أحد من الصحابة تعرض لحملات جائرة مسعورة ، بمثل ما تعرض له الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه ، وهي حملات ليست جديدة في الحقيقة ، فقد أطلق بعض أهل الأهواء ألسنتهم فيه منذ القدم لتسويغ بدعتهم وانحرافهم ، فنقل الإمام ابن قتيبة في كتابه"تأويل مختلف الحديث"، الكثير مما رمي به أبو هريرة في القديم من قبل النظَّام و الإسكافي وأمثالهما من أهل البدع والأهواء الذين لهم مواقف معروفه من أكثر الصحابة ، حتى جاء بعض المستشرقين من أمثال"جولد زيهر"، فوقعوا على أقوال المتحاملين فأخذوا وزادوا ، وأبدؤوا وأعادوا ، ثم طلعوا علينا بآراء مبتسرة وأحكام جائرة ، تلقفها بعض أبناء جلدتنا فأعادوا صياغتها وتعليبها ، وقدَّموها للناس على أنها حقائق علمية ، ونتائج موضوعية لم يسبق التوصل إليها .
فأما"أحمد أمين"فقد وزع طعونه على أبي هريرة في مواضع متفرقة من"فجر الإسلام"، وكان حديثه عنه حديث المحترس المتلطَّف المحاذر من أن يجهر في حقه بما يعتقده من سوء ، ولكن أسلوبه ، وتحريفه لبعض الحقائق في تاريخ أبي هريرة ، وحرصه على التشكيك في صدقه ، وادعاء شك الصحابة فيه ، والتركيز على عرض الأمور التي يسيء ظاهرها لأبي هريرة ، وإغفال الجوانب الأخرى التي تبين مكانته بين الصحابة والتابعين ، وأئمة الحديث ، وثناءهم عليه ، وإقرارهم له بالصدق والحفظ والإتقان ، مما هو ألصق وأشد تعلقًا بموضوع البحث أكثر من أي شيء آخر ، كل ذلك أبان قصده ، وكشف الستار عن مراده .
وأما"أ بو رية"- عامله الله بما يستحق - فقد كان أفحش ، وأسوأ أدبًا من كل من تكلم في حق أبي هريرة من المعتزلة والرافضة ، والمستشرقين قديمًا وحديثًا ، مما يدل على سوء نية وخبث طوية ، حيث عرض لترجمته في كتابه"أضواء على السنة المحمدية"، فيما يربو على خمسين صفحة لم يدع منقصة ، ولا مذمة إلا ألصقها به ، وألف كتابًا مستقلًا ضمنه كل إفك وبهتان ، وملأه بكل جارح من القول ، وتهجم فيه على أبي هريرة وغيره من الصحابة ، ورماهم بالكذب والاختلاق ، وسمى كتابه"شيخ المضيرة أبو هريرة"، وهو عنوان يقطر حقدًا وسخرية وتنقصًا لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا الكتاب يرجع إليه ويعتمد عليه كل من لا خلاق له ممن يطعن في الصحابة ويسبهم ، وتدور مطاعنه ، في احتقاره ، وازدراء شخصيته ، واتهامه بعدم الإخلاص في إسلامه ، وعدم الصدق في حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبه لبطنه وللمال ، وتشيعه لبني أمية إلى غير ذلك من الإفك والبهتان .
وسنعرض لشيء من هذه المطاعن على جهة الإشارة ، لا على جهة الحصر والاستقصاء ، والوقوف عند التفصيلات والأمثلة ، فذلك أمر يطول ، وقد كفانا مؤنة ذلك الأئمة والعلماء الذين قيضهم الله عز وجل للدفاع عن هذا الصحابي الجليل ، فردوا كل ما قيل في حقة من مطاعن وافتراءات ، وكشفوا نوايا هؤلاء المغرضين ، وبينوا الحق من الباطل ، وميزوا الطيب من الخبيث ، في بحوث ودراسات علمية معروفة ومتداولة ، قائمة على النزاهة في البحث ، بعيدة كل البعد عن الهوى والعصبية ، ويمكن لكل طالب حق أن يرجع إليها ، ليعرف شهادة التاريخ الصادق ، ورأي صحابة رسول الله ، وعلماء التابعين ، وأئمة المسلمين ، في هذا الصحابي الجليل ، ويقارن بعد ذلك بين هذه الصورة المشرقة ، وبين الصورة التي أراد هؤلاء أن يظهروه بها .
فقد غضوا من شأنه ، وطعنوا في أصله ونسبه ، مدعين أنه لم يكن معروفًا في أوساط الصحابة ، وأنه كان غامض الحسب ، مغمور النسب ، ولم يعرف إلا بكنيته ، بدلالة أن الناس اختلفوا في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا ، مع أن الخلاف لا يتجاوز عند التحقيق ثلاثة أقوال كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ، ونحن نجد عشرات الصحابة اختلف في أسمائهم إلى أكثر من ذلك ، وكثير منهم إنما اشتهروا بكناهم لا بأسمائهم ، فلماذا هذا التشويش بالذات على أبي هريرة رضي الله عنه ، ومتى كان الاختلاف في اسم الرجل يشينه أو يسقط من عدالته ؟؟.
وزعموا أنه كان مغمورًا ، لم يذكر في طبقات الصحابة ، وليست له أي فضيلة أو منقبة ، مع أن المعروف من ترجمته أنه كان ممن هاجر بين الحديبية والفتح في العام السابع من الهجرة ، وأنه صاحَب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولازمه ما يربو على ثلاث سنين ، ويكفيه ذلك فضلًا وشرفًا، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - له ولأمه أن يحببهما إلى عباده المؤمنين كما في الصحيح ، وكان عريف أهل الصفة ، وهم أضياف الإسلام ، وأحباب النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكره الإمام مسلم فيمن لهم فضائل من الصحابة ، وعقد له الإمام النووي بابًا في شرحه على مسلم ، وذكر الحاكم في مستدركه جملة صالحة من مناقبه استغرقت بضع صفحات ، وأما البخاري فهو وإن لم يعقد له ترجمة خاصة ، لكنه ذكر فضائله ضمن أبواب كتابه ، ومنها كتاب العلم .