فهرس الكتاب

الصفحة 3253 من 4557

حتى وقعت الفتن التي أودت بحياة الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وما رافق ذلك من اختلاف الأمة وتفرقها ، وظهور الفرق والطوائف ، ومحاولة كل فرقة التمسك بما يؤيد موقفها ، مما استوجب زيادة الحيطة والحذر ، والتثبت في قبول الروايات ، فأصبح السؤال عن السند ، وإلزام الرواة به أمرًا ضروريًا اقتضته طبيعة المرحلة ، التي مهدت السبيل أمام أصحاب الأهواء والبدع للدس والافتراء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الأمر الذي بينه ابن عباس رضي الله عنهما كما في مقدمة مسلم أن بشيرًا العدوي جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه - أي لا يستمع - ولا ينظر إليه ، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول ، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف"، وبينه أيضًا الإمام ابن سيرين بقوله:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"."

وهذا لا يعني أن الإسناد لم يكن موجودًا قبل الفتنة ، أو أنه لم يستعمل من قبل الرواة ، وإنما المقصود أن بداية البحث والتحري وإلزام الرواة بالإسناد بدأ عقب الفتنة ، ثم صار الالتزام بالسند أمرًا شائعًا ، وسنة متبعة لدى رجال الحديث .

ومع وضوح بداية استعمال السند ، وشيوع التزامه والتمسك به في هذا الوقت المبكر من تاريخ الحديث ، فإن المستشرقين وأذنابهم حاولوا أن يثيروا الشكوك حول الإسناد وبداياته وأهميته في الرواية ، وذلك لإضعاف الثقة به ، ومن ثم إضعاف الثقة بالحديث النبوي ، لأن التشكيك في الإسناد أو التقليل من أهميته ، هو في الحقيقة تشكيك في السنة النبوية ، التي وصلت إلينا ، وتناقلتها الأمة جيلًا إثر جيل ، بواسطة هذه الأسانيد .

فمن المستشرقين من شكك في بدايات الإسناد كما فعل كايتاني ( ت 1926 م ) الذي زعم في حولياته"أن الأسانيد أضيفت إلى المتون فيما بعد بتأثير خارجي ، لأن العرب لا يعرفون الإسناد ، وأن استعمال الأسانيد إنما بدأ أول ما بدأ بين عروة بين الزبير المتوفى سنة 94هـ ، و ابن إسحاق المتوفى سنة 151هـ ، وأن عروة لم يستعمل الإسناد مطلقًا، و ابن إسحق استعملها بصورة ليست كاملة ."

وأشار"شبرنجر" ( ت 1893 م ) إلى تعاسة نظام الإسناد وأن اعتبار الحديث شيئًا كاملًا سندًا ومتنًا قد سبَّب ضررًا كثيرًا وفوضى عظيمة ، وأن أسانيد عروة مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون .

وأما"ميور"معاصر"شبرنجر"، فينتقد طريقة اعتماد الأسانيد في تصحيح الحديث ، لاحتمال الدس في سلسلة الرواة .

وأما"شاخت" ( ولد 1902 م ) ، فقد أجرى دراسة على الأحاديث الفقهية وتطورها - على حد زعمه - أجراها على كتابي"الموطأ"لمالك و"الأم"للشافعي وعمم نتائج دراسته على كتب الحديث الأخرى ، ثم خلص إلى أن السند جزء اعتباطي في الأحاديث ، وأن الأسانيد بدأت بشكل بدائي ، حتى وصلت إلى كمالها في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، وأنها كانت كثيرًا ما لا تجد أقل اعتناء ، ولذا فإن أي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين كان يختار تلك الشخصيات فيضعها في الإسناد"."

ووُجد مع الأسف الشديد فيمن ينتسب إلى الإسلام من ردد أقوال المستشرقين فيما يتعلق بالإسناد ومدى الحاجة إليه ، حتى وصف بعضهم أهل الحديث بأنهم"عبيد الأسانيد"، و"أسرى الأسانيد"، وأن الإسناد نوع من التزمت ، وأن المبالغة في الاعتداد به ، وربط الأحكام الشرعية به ، واعتباره بالدرجة الأولى أساسًا لصحة الحديث ، قد أثمر افتراقًا كبيرا بين المسلمين ، وحولهم إلى فرق وأحزاب يعارض بعضها بعضا ، ويقاتل بعضها بعضا ، ويكيد بعضها لبعض على مر السنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت