فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه بلغه حديثٌ عن صحابي بالشام سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستعظم أن يفوته شيء من حديث رسول الله ، فاشترى بعيرا وشد عليه رحله ، وسافر مسيرة شهر حتى قدم الشام ، فإذا هو عبد الله بن أنيس فقال له:"حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القصاص ، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه ، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( يُحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا بُهْما ) وذكر الحديث ."
ومن بعد الصحابة سار التابعون على هذا المنوال فكان أحدهم يخرج من بلده لا يُخْرجه إلا حديث عن صحابي يريد أن يسمعه منه مباشرة بدون واسطة ، يقول أبو العالية:"كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا نرضى"
حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم"."
ولذلك جاءت العبارات عن الأئمة في التشديد على التمسك بالإسناد والتزامه في الرواية واعتباره جزءًا من الدين مما يوجب على المرء أن يعرف عمن يأخذ دينه ، يقول عبد الله بن المبارك:"الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وكان يقول:"بيننا وبين القوم القوائم"يعني الإسناد .
وكانوا لا يقبلون حديثًا ورد إليهم إلا إذا أسنده صاحبه وتأكدوا من صحة هذا الإسناد مهما كانت مكانة من رواه ، فقد روى مسلم في مقدمة الصحيح بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ، الحديث الذي جاء"إن من البر بعد البر ، أن تصلي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صومك"، قال: فقال عبد الله:"يا أبا إسحق عمن هذا ؟ قال: قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش ، فقال: ثقة ، عمن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار . قال: ثقة ، عمن ؟ قال: قلت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف".
وقال شعبة:"كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام".
وعظم اهتمام علماء الحديث بالإسناد حفاظًا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن تنالها يد العابثين ، أو تتطرق إليها أهواء المغرضين ، قال الإمام أبو حاتم بن حبان:"ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له ، لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم ، وذاك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة ، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألِف ولا واو ، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن ، فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين ، وكثرت عنايتهم بأمر الدين ، ولولاهم لقال من شاء بما شاء".
وكان من ثمار تلك الجهود المباركة نشوء قواعد وأصول الرواية وتصحيح الأخبار ونقدها نقدًا علميًا ، حتى عُدّت هذه القواعد من أصح قواعد البحث العلمي المتعلق بتوثيق الأخبار والنصوص ، وهي ميزة لا توجد في تراث أي أمة من أمم الأرض كلها ، بل حتى ولا في كتبهم المقدسة ، مما يعد بحق مفخرة من مفاخر هذه الأمة من جهة السبق أولا ، ومن جهة الشمولية والموضوعية ودقة النتائج ثانيًا ، وهذا ما شهد به أهل الإنصاف من غير المسلمين حتى قال"مرجليوث":"ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم"، وعندما ألف أحد علماء التاريخ في العصر الحاضر كتابًا في أصول الرواية التاريخية وهو كتاب مصطلح التاريخ لمؤلفه النصراني"أسد رستم"، اعتمد فيه على قواعد علم الحديث ، واعترف بأنها طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات ، وقال بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي ، والأمانة في خبره:"ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب ، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحرفه وحذافيره تنويهًا بتدقيقهم العلمي ، اعترافًا بفضلهم على التاريخ"ثم أخذ ينقل نصوصًا عن بعض أئمة هذا الشأن .
فهل بعد هذا كله يقال إن الأسانيد لم تجد أدنى اعتناء ، وأنها كانت أمرًا اعتباطيًا بحيث يتسنى لمن شاء أن يختلق إسنادًا وينسبه إلى من يريد لينصر مذهبه أو طائفته أو حزبه - كما يقول المستشرقون وأذنابهم - من غير أن يميز ذلك أئمة هذا الشأن الذين خصهم الله لحفظ دينه وحراسة سنة نبيه ، سبحانك هذا بهتان عظيم .
المراجع:
-موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأمين
-المستشرقون والحديث النبوي د . محمد بهاء الدين
-دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه د . محمد مصطفى الأعظمي
-بحوث في تاريخ السنة المشرفة د . أكرم ضياء العمري