ويختلف مفهوم الإسلام للدين عن مفهوم مدرسة العلوم الاجتماعية - المستشرقون دور كايم وليفي بريل وأتباعهم طه حسين وغيره - هذه المدرسة التي تعتبر الدين ظاهرة من الظواهر الاجتماعية لم ينزل من السماء ولم يهبط إلى الأرض وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها ، وهذا المفهوم الذي يعتبره الاستشراق للدين في محاولة فهمه للإسلام مفهوم خاطئ لأنه يعتمد على الفلسفة المادية ولا يعترف بعالم الغيب الذي يقرر الوحي والنبوة والجزاء والبعث والحساب ومن هنا فإن منهج علم الأديان الذي يعتمده الاستشراق الغربي لا يستطيع أن يعالج الإسلام أو ينظر اليه على نحو بقية الديانات .
كذلك يرفض الإسلام مفهوم هيجل الذي يقول إن العالم أوجد نفسه بدون حاجة إلى علة خارجية عنه وهو مفهوم خاطئ فإن الله تبارك وتعالى هو خالق الكون من العدم وهو سبحانه القائم عليه وهو الذي علم الإنسان ما وصل إليه من أسرار هذا الكون .
كذلك فإن الإسلام بعيد عن المثالية التي نشأت من فلسفة الديانات كما أنه ليس منهجا يقتفي أثر العلوم الاجتماعية ، إنه دين ودنيا بتنظيم هذا وذلك تعاليمه لا تفرق بين العلوم الدينية والدنيوية فالإسلام لا يقر مفهوم أن الدين ظاهرة اجتماعية أو ظاهرة مرحلية تلت الوثنية وتعقبها مرحلة العلم من ذلك الادعاء بأن الشعوب الراقية لا تحتاج إلى الدين أصلا .
بل يقرر الإسلام حاجة البشرية إلى هداية الدين والتماس منهجه في بناء الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
ثانيا: محاولة التشكيك في النبوة والرسالة:
محاولة اختراق السيرة النبوية وإخضاع حياة النبي لعلوم التربية والسيكولوجيا في محاولة للنيل منها وقد باءت المحاولة بالفشل .
فالطفل محمد صلى الله عليه وسلم الذي حرم من نعمة الأمومة والأبوة وافتقد الحنان منح الدنيا بأسرها عاطفة وحنانا ورحمة مع أن القاعدة المعروفة أن فاقد الشيء لا يعطيه .
والطفل الذي لم يتعلم - علم الدنيا - أدبني ربي فأحسن تأديبي والطفل الفقير أغني الدنيا"أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) "صدق الله العظيم
يقول دكتور رشدي فكار كما نقلت عنه مجلة منار الإسلام: إن محاولة إخضاع العصر النبوي للإطار التراثي ترمي إلى محاولة جعل العصر النبوي تراثا
باسم الفضول العلمي حتى يرفع عنه رداء القدسية والألوهية .
وقد جاء منهج المستشرق - لا منس - وغيره الذين طرحوا القضايا الخاصة بالعصر النبوي بهدف - دينونته - لتدنيس المقدسات والتشكيك في أنها دينونه ولا صلة لها بالوحي وأنها مجرد تراث بشري قابل للأخذ والرد .
وذلك في إطار محاولتهم التشكيك في الأنبياء والرسل وفي محاولة أن يسقطوا كل هذا الفكر المادي على العصر النبوي وإدخاله في إطار وضعي راحوا يبحثون عن تأثير العوامل الاقتصادية والسياسية والبيئة في جزيرة العرب وهم أساسا منكرون للعقيدة ومحاولة هذا الاستغراب الإلحادي أن يعكس ظلماته على الأمة الإسلامية باستشراق مادي ملحد .
وقد شجع هؤلاء على ذلك الانتصارات التي حققها التجريب العلمي في الغرب والسيطرة على الظواهر واكتشاف القوانين للعديد من مكونات الطبيعة مما فتح شهيتهم ليقدموا للإنسان بدلا من الإله ويستبدلوا حوار السماء والأنبياء بحوار الأرض والإنسان .
يقول رشدي فكار: من المحزن أننا وجدنا بعض النفايات من المثقفين العرب والمسلمين ممن لا يحملون من الانتماء إلى هذه الأمة إلا مجرد الاسم ثم يستبيحون لأنفسهم أن يضعوا أنفسهم لقاء حفنة من المال في خدمة هؤلاء ويبسطوا لهم بعض القضايا ويعاونوهم في دراساتهم المقنعة السوداء وقد تنكر هؤلاء المثقفون العملاء لأمتهم وعقيدتهم ووضعوا أقدارهم لصالح أصحاب المآرب .
وجملة القول أنهم أرادوا أن يخترقوا السيرة النبوية ويخضعوا حياة بني الإسلام لعلوم التربية والسيكولوجيا فضاربوا على فروع القضية وهوامشها ولم يصلوا إلى جوهرها وأساسها واختلت موازينهم وباءت محاولاتهم بالفشل الذريع وقد رد على شبهات المستشرقين في هذا المجال كثير من الباحثين المسلمين وفي هذا المجال كتب الدكتور زاهر عوض الألمعي كتابه - مع المفسرين والمستشرقين - في زواج النبي بزينب بنت جحش وفيه عرض قصة زواج النبي صلي الله عليه وسلم ورد على شبهات:
1-ميل درمنجم في كتابه حياة محمد الذي زعم أن النبي شعر في العقد الأخير من عمره بالميل الي النساء
2-عرض لرأي المستشرق مونتجمري وات في كتابه - محمد في المدينة - في زواج النبي بكثير من الزوجات واتخاذه الجواري ودعواه في افتتانه بزينب بنت جحش .
3-عرض لما قاله جوستان لوبون في كتابه حضارة العرب ترجمة عادل زعبير بعد أن أثنى على النبي صلى الله عليه وسلم ادعى أن النبي كان ضعيفا فيما أسماه حبه الطارئ للنساء بعد أن اقتصر على زوجة واحدة حتى بلغ الخمسين .