فهرس الكتاب

الصفحة 3286 من 4557

إنَّ ما ضاع من تراثنا لا يمكن بحال أن يخضع لتقدير ، فمن يستطيع أن يقدِّر عدد المجلدات التي صنعت الجسر ، بل السَّدّ الذي عبرت عليه خيولُ هولاكو وجنوده بين شاطئي دجلة ، ومن الذي يستطيع أن يحصي ما حرَّقه الصليبيون في حملاتهم التي جاءت في موجات متتالية مثل موجات التتار ، وأشد فتكًا ، وظلت نحو مائتي سنة تتشبث بمواطئ أقدامها ، وبالإمارات التي اتخذتها رءوس جسور لاجتياح بلاد الإسلام جملة ، وكانت الكتب والمكتبات طوال هذه المعارك هدفًا مقصودًا للصليبيين حينًا ، ووقودًا للنيران الطائشة حينًا آخر ، وإن ما أصاب القدس ، وطرابلس ، وعسقلان ، وغزة، والمعرّة ، وغيرها من المدن تدميرًا وإهلاكًا وإحراقًا ، وكيف يبقي على مكتباتها ؟ وبحسبنا أن نذكر أن"بعض المؤرخين قدّر ما أتلفه الصليبيون في ( طرابلس ) وحدها بثلاثة ملايين مجلد"

ويحدثنا التاريخ"أن أحد الأطباء رفض دعوة سلطان بخاري للإقامة في بلاطه لأنه يحتاج إلى أربعمائة بعير لنقل مكتبته".

فإذا كانت الكتب في مدينة واحدة ( طرابلس ) نحو ثلاثة ملايين ، والكتب التي في مكتبةٍ خاصة لواحد من الأطباء تبلغ حمل أربعمائة بعير ، فكم يبلغ ما كان في المدن الإسلامية كلها ؟ وما كان في المكتبات الخاصة كلِّها؟

فإذا كان هذا هو حجم التراث ، وكان الباقي منه نحو ثلاثة ملايين مخطوطة فقط فإذا عرفنا ما بقي بأيدينا ، وما بقي بأيدي المستشرقين ، وما نشرناه ، وما نشره المستشرقون ، وماذا نشروه من التراث ؟ ولماذا نشروه ؟ وكيف نشروه ؟

إذا عرفنا ذلك ، نستطيع أن نفصل في القضية ، وأن نقدِّر للقوم عملهم حقّ قدره ، لا ننقُصُهم ، ولا نبخسهم ، ولا نزيدهم ، ولا نمجدهم ، بدعوى ( الاعتدال ) و ( الإنصاف ) أو تغطيةً لشعور العجز والهوان .

وسنحاول في الصفحات القادمة أن نقدم أنموذجًا لهذه الدراسة ، علها تكون خطوة على الطريق ، نحو الحكم ( المنهجي ) ( العلمي ) ( الموضوعي ) على عمل المستشرقين ، ودورهم في التراث .

اتجاهات النشر عند المستشرقين

للآن ـ فيما أعلم ـ ليس لدينا دراسةٌ دقيقة ، تقوم على حصر أعمال المستشرقين ، في مجال تحقيق التراث ونشره ، ونحن ـ لا شك ـ أحوج ما نكون إلى هذه الدراسة ، بل نراها تأخرت طويلًا ، وإلى أن تتم سيظل الحديث في هذا المجال ( عمل المستشرقين ) يقوم على الحدس والتخمين ، ويعتمد على ملاحظاتٍ سريعة ، ويتأثر بأهواء مزاجية ، وصلاتٍ شخصية ، ومواقف نفسية تجذبه من يمين ويسار .

وحينما نقوم بهذه الدراسة ـ إن شاء الله ـ نستطيع أن نرى في ضوئها ما يلي:

أولًا: عدد الكتب التي أخرجها المستشرقون بجهودهم العلمية ، وتحديد ( الكم ) الذي قاموا بخدمته من تراثنا ، ويتبع ذلك ، بالضبط المقدار الذي أسهموا به في نشر تراثنا ، فلا نغمطهم فضلهم ـ إن كان لهم فضل ـ ولا ننسب إليهم ما لا يستحقون استجابة لعُقدة الهوان ، ومركبات النقص التي سيطرت على كثيرين ممن سمَّوْا أنفسهم ، وأسمتهم أجهزة التضليل ( قادة الفكر ) .

ثانيا:معرفة اتجاهات النشر لدى المستشرقين ، بمعنى أن نعرف الكتب التي تحظى باهتمامهم ، وتجذب انتباههم ،من أي لونٍ هي ومن أي فرعٍ من فروع المعرفة ، وما قيمتها في هذا الفن ، ثم ما علاقتها بما ينشرونه من فنون أخرى .

ثالثًا: درجة الدقة والإتقان في هذه الأعمال ، بل درجة الصحة والصواب ، وماذا فيها من خلل أو زلل نتيجة للعجز عن إدراك سرّ العربية ، وامتلاك ذوقها ، العجز عن استكناه سرّ التراث، واستلهام روحه الرباني الإلهي .

بل ماذا فيها من خلل أو زلل ، نتيجة للأحكام المسبَّقة ، والمواقف غير المحايدة ، بلل العدائية التي تدعوا إلى تعمد التشويه والتحريف .

وعند ذلك تفرغ الأمة من هذه القضية ويصدر الحكم فيها بالأدلة الدامغة والحقائق الثابتة ، فننتهي منها ، ومن اللجاجة حولها ، ونفرغ لما سواها .

نموذج:

وقد حاولت إجراء نموذج مصغر لهذه الدراسة ، لا يشمل عمل المستشرقين كله ـ كما نرجو ـ وإنما شمل شريحة ، أو قدرًا لا بأس به من أعمالهم ، ويتمثل هذا القدر في مجموعتين ، من مجموعات المخطوطات المطبوعة:

الأولى: معجم المخطوطات المطبوعة ( المجلدات الثلاثة الأولى ) وهو من عمل الدكتور صلاح الدين المنجد.

الثانية: ذخائر التراث العربي ( الجزء الأول ) وهو من عمل الدكتور عبد الجبار عبد الرحمن .

وكان ذلك على النحو التالي:

أولًا: بالنسبة لمعجم المخطوطات المطبوعة اتبعت الخطوات الآتية:

1 ـ أحصيت كل المخطوطات المنشورة ، فكانت النتيجة كالآتي:

في الجزء الأول: 414 أربعة عشر وأربعمائة ( عنوان ما بين كتاب ، وجزء من كتاب ، ورسالة صغيرة .

( وذلك في الفترة من 1954 ـ 1960 م . سبع سنوات ) .

في الجز الثاني: 352 اثنان وخمسون وثلاثمائة ( عنوان ما بين كتاب ، وجزء من كتاب ، ورسالة صغيرة.

( وذلك في الفترة من 1961 م ـ 1965 م . خمس سنوات ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت