فهرس الكتاب

الصفحة 3295 من 4557

ونلاحظ أنه في نفس الوقت يحاول أن يظهر بمظهر الحيدة العلمية ، الخالية من الغرض ، فلا يحرم الزهري من وصف"التقوى"المعروف به ، بل يُضفي على عبارته ما يجعلها أولى بالتصديق ، فيجعل الزهري ذلك التقي الصالح ، يستشعر الندم أحيانًا ، ويعترف بخطئه ، ويبرر لنفسه ذلك بأنه واقع تحت الإكراه من السلطة ، وهكذا بهذا الملمس الناعم يسوق تزيينه وتحريفه ، وينفثه في خفةٍ ومهارةٍ .

وهو في كل ذلك يرتكز على ذلك النص المنقول عن"معمر"ليوهم القارئ بأنه يوثق ما يقول ، ويملك دليلًا على ما يدّعي .

وهذا النص الذي نقله فيه تحريف متعمد يقلب المعنى رأسًا على عقب ، وأصله كما عند"ابن عساكر"، و"ابن سعد"، أن"الزهري"كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس ـ كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكراتهم ، ولا يتكلوا على الكتابة ـ فلما طلب منه هشام ، وأصر عليه أن يُملي على ولده ليمتحن حفظه ، وأملى عليه أربعمائة حديث ، خرج من عند هشام ، وقال بأعلى صوته: يا أيها الناس ، إنا كنا منعناكم أمرًا ، قد بذلناه الآن لهؤلاء ، وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة"الأحاديث"فتعالوْا حتى أحدثكم بها ، فحدثهم بالأربعمائة حديث .

هذا هو النص التاريخي لقول"الزهري"، وقد رواه"الخطيب البغدادي"بلفظٍ آخر ، وهو:"كنا نكره كتابَ العلم ـ أي كتابته ـ حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء ، فرأينا أن لا نمنعه أحدًا من المسلمين".أهـ .

ونترك التعليق لقلم الدكتور"مصطفى السباعي"ـ رحمه الله ـ إذ يقول: " فانظر كم الفرق بين أن يكون قول"الزهري"، كما روى " جولد تسيهر":"أكرهونا على كتابة أحاديث"، وبين أن يكون قوله كما رواه المؤرخون"أكرهونا على كتابة الأحاديث"، أو كما رواه"الخطيب""على كتابة العلم"، ثم انظر إلى هذه الأمانة العلمية حذف"ال " من (الأحاديث) ، فقلبت الفضيلة رذيلة .. حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة"الزهري"وإخلاصه في نشر العلم ، فلم يرض أن يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس ، إلا أن يبذله للناس جميعًا ، فإذا (أمانة) هذا المستشرق تجعله ينسب لـ"الزهري"أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها ، فأين هذا من ذاك ؟؟ ."

"وِل ديورانت":

وإذا شئنا نماذج أخرى لتحريفاتهم ، فإليك ما أورده"ول ديورانت"في كتابه (قصة الحضارة) :

-يقول عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب ، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره ، وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت ، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات ، ونوبات غريبة … إلخ".

ولا يعنينا أن نناقش القبح والفحش الذي كتب به المؤلف ما كتبه عن نبينا ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بأبي هو وأمي وبنفسي وبالناس أجمعين ـ فليس هذا مجال مناقشته ، ولكن الذي يعنيني أن أضبط هذا المستشرق العلامة متلبسًا بخيانة المنهج ، وذلك في قوله:"وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم"فهذا التعبير بـ"ظن"يريد به أن ينفي صحة الخبر ، ليبرئ اليهود بالتالي من جريمة محاولة قتله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسم ، ومن قتل الصحابي الجليل الذي أكل معه .

وهذا الخبر"خبر دس السم"موجود مشهور في مصادر السيرة النبوية المختلفة ، فقد أورده ابن هشام في سياق غزوة خيبر ، وأورده"ابن سعد"في طبقاته ، ورواه البخاري في غير موضع"5/176"، ومسلم"7/14ـ15"، كلاهما من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ ، وأحمد برقم"2885"من حديث ابن عباس ، وأبو داود:"1/146"، والدارمي"1/33"عن جابر ـ رضي الله عنه ـ … ،"وفيه اعتراف اليهود بدس السم وعفو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذا الجرم الفظيع ، مع موت الصحابي الجليل"البراء بن معرور"ـ رضي الله عنه ـ بهذا السم".

ومع ثبوت هذا الخبر ووفرة مصادره تأبى"الأمانة العلمية"و"الحيدة الأكاديمية"و"منهج البحث"على هذا المستشرق العتيد إلا أن يزيف ويحرّف ، فينكر الخبر ، وينسب الحادثَة في إيجاز بارع إلى مجرد ظنٍّ ووهم .

وعلى حين ينكر هذا الخبر الثابت ، يحرف ويزيف خبرًا آخر ، يزيد فيه وينقص منه .

فيقول في"ص77"، وهو يتحدث عن الثراء الذي جاء المسلمين نتيجةً للفتح:"… وكانت للزبير بيوت في عدة مدن مختلفة ، وكان يمتلك ألف جواد ، وعشرة آلاف عبد…".

وهذا الخبر بهذه الصورة وبهذا الإيجاز ، يجمع ألوانًا وأفانين من التحريف ، ففيه زيادة ، وفيه نقص ، وفيه تغيير وتبديل ،وبيان ذلك:

إن الخبر ورد في المصادر المعروفة والمشهورة هكذا:"كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم ، فما يُدْخلُ إلى بيته منها درهمًا واحدًا يتصدق بذلك جميعه"هكذا ورد الخبر في:

1-الإصابة لـ"ابن حجر العسقلاني"1/546 .

2-أسد الغابة لـ"ابن الأثير"2/198 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت