فهرس الكتاب

الصفحة 3297 من 4557

أفمثل هذين العظيمين الطاهرين المجاهدين يكون فارغًا لما يرمز إليه بهمزه ولمزه ، ذلك المؤلف العالمي"الهمزة اللمزة". (نحن نعرف ويعرف"ول ديورانت"أكثر منَّا مِنْ مَنْ قادة الفكر والرأي في بلاده يصدق عليهم يقينًا ما حاول أن يرمي به هارون الرشيد وجعفر ، بل حاول أن يرمي به المجتمع المسلم في بغداد كلها ، نحن نعرف ولكن نعفّ ونطهر قلمنا وكتابنا أن نذكر ، ولا نهمز ولا نلمز) .

مستشرق ثالث:"فان فلوتن":

يعتبر"فان فلوتن"أحد المستشرقين المعنيين بالتاريخ الإسلامي ، خاصة فترة الأمويين والعباسيين ، ونستطيع أن نجد اسمه يتردد في كثير من الكتب الجامعية مرجعًا من مراجعهم يباهون به ، ويفتخرون بالاعتماد عليه ، وهو يغريهم بما ينسبه إلى"الطبري"، و"البلاذري"، و"اليعقوبي"، و"الواقدي"، ونحوهم ، فيخيل للباحثين والدارسين أنه (وثَّق) كل أخباره ، وأتى بها من منابعها ، فيعجبون به ، ويطمئنون إليه .

السيطرة العربية:

لـ"فلوتن"كتاب بهذا الاسم"السيطرة العربية"، ونظرًا لأهميته في مجال التاريخ ، فقد حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا ، فترجمه إلى اللغة العربية سنة"1934م"الدكتور"حسن إبراهيم حسن"، و"محمد زكي إبراهيم"، وطبعت هذه الترجمة طبعتين ، ثم ترجمه سنة"1980م"مرة ثانية الدكتور"إبراهيم بيضون".

و"فلوتن"متخصص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع ، ودراساته ومقالاته وأبحاثه تتجه كلها هذه الوجهة .

ومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة ، وكان ( لتحريفه) للمصادر و (خيانته) للمنهج خطر عظيم ، وكان هذا منه جرمًا أي جرم .

ونحن نلتزم بهدفنا هنا ، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجم على الإسلام والمسلمين ، الذي لا يعدو أن يكون سبًا وشتمًا (بأسلوب أكاديمي) ، وإنما يعنينا هنا جريمته في حق (التراث) ، وكيف حرف المصادر والمراجع وزيفها . وإليك هذا المثال:

جاء في"ص67"قوله:"وقد فرضت حالةُ الترف المتصاعدة هذه (يقصد الترف الذي أصابه المسلمون ثمرة للفتوح) تغطيةً دائمة لمواجهة متطلبات جديدة ، واللجوء إلى الاستدانة كطريقةٍ فذّة من أجل إشباع رغباتهم..."ثم أحالنا على الطبري:"1/2811"، فماذا نجد في الطبري في هذا الموضع ؟

لم نجد في الطبري إلا خبرًا عن استدانة سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ من بيت مال الكوفة ، وكان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ ، وكان سعد والي الكوفة ، فاستقضى عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ سعدًا ، واشتدّ في مطالتبه ، فاستمهله سعد فلم يقبل ، وكان بينهما تلاوم ، ووصل إلى عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعًا ، فلامهما معًا ، وقال لهما: أنتما أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فكيف تتلاحيان هكذا أمام الناس ؟ ، وعزل سعدًا ، وأقرّ عبد الله بن مسعود على عمله .

هذا هو ما ذكره الطبري ، فكيف يفهم منه أيُّ قارئ ، بَلْهَ باحث ضليع ، يقتعد مقعد الأستاذية ؟؟

كيف يفهم من هذه الحادثةَ أن الاستدانة قد صارت ظاهرة في المجتمع ؟؟ ، وأنها أصبحت وسيلة (فذة) لإشباع الترف الذي شاع فيه ؟ كيف يفهم هذا ؟ ، وبأي منطق يقال هذا ؟ ، وأي ترفٍ كان في مجتمع الكوفة سنة"26 هـ"؟

ثم لو نظر إلى هذه الحادثة بعين مجردة ، ودون تعمق ولا (منهج بحث) ولا … ولا… ألا يجد فيها فخرًا للإسلام والمسلمين ؟؟ ألا يرى كيف لم يستطع الحاكم (والي الكوفة) أن ينال من مال الجماعة إلا قرضًا ؟ ثم ألا يرى كيف كانت أمانة خازن بيت المال الذي لم يسعه السكوت عن (الوالي) واصطناع يدٍ عنده ، وأي (يدٍ) ؟ بالتأجيل فقط طبعًا (لا بالتنازل) ، ثم ألا يرى تلك الحرية التي وسعت (موظفًا) (صرافًا) (خازنًا) يلاحي الأمير ، ويناصيه ، ويغلظ له ؟؟!! أية (حرية) هذه ؟؟ ألا تهز أعطافه ؟ ألا تروعه ؟ ألا تبهره؟

ثم ألا يتبادر إلى الذهن أن الحاجة ، والفاقة هي التي ألجأت سعدًا إلى الاستدانة ؟؟ وهذا هو الواقع ، ففيم كان يستدين سعد في ذلك الوقت ؟؟ وفي أي مجالٍ كان ينفق في ذلك الحين ؟؟ فقد كانوا يعيشون عيش الكفاف !! .

ثم لو مدّ بصره قليلًا ، لقرأ في الأسطر التالية بقية القصة ، وكيف أن سعدًا لشدة ألمه من عنف"عبد الله بن مسعود"، وعدم رفقه وتأنيه به ، رفع يديه إلى السماء ، وقال: اللهم رب السماوات والأرض … فقاطعه"عبدُ الله بن مسعود"قائلًا:"ويلك !! قل خيرًا ولا تلعن"، وخاف أن يدعو سعد عليه ، فقال سعدُ عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك !!! كلماتُ تقطر تقوى ، وتندى بالحب والإخاء ، ومواقف تنطق بالطهارة والتعفف .

ولو قرأ بقيةَ الصفحة لوجد أن الأمير الذي تولى بعد سعد على الكوفة مكث خمس سنين ، وليس على داره باب !!! فأي ترف ؟ وأي استدانة ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت