فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهي أن من الناس من خاف على سلطانه وجاهه، فأظهر إسلامه، وهو مستتر بالكفر، وهؤلاء هم المنافقون، ولم يكن في مكة نفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له دولة وسلطة، بل أصحابه في حال ضعف شديد، وحصل لهم من الأذى ما الله به عليم، وهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم جاءت الهجرة إلى المدينة، كل ذلك فرارًا بدينهم، وخوفًا من قومهم.
ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كانت الغلبة لأهل الشرك فيها، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها قوة تجعل أهل الكفر يخافون على أنفسهم منه، حتى جاءت موقعة بدر يوم الفرقان -كما سماه الله عز وجل- يومٌ أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الشرك وأهله، فعلم أهل الكفر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت شوكته لما قتل صناديد الكفر بمكة، فأظهروا النفاق، حيث أعلنوا إسلامهم ظاهرًا وبقوا على كفرهم باطنًا، فالمهاجرون لا يمكن أن يوصف أَحَدٌ منهم بنفاق، والأنصار الذين أسلموا قبل موقعة بدر لا يمكن أن يوصف أَحَدٌ منهم بنفاق، كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله ( [3] ) .
وهذا إجماع من جميع الفِرَق والطوائف المنتسبة للإسلام، ومن خالف من المتأخرين فلا عبرة بقوله.
كما أن العقل يشهد لذلك، ودلالة العقل على هذا في غاية الوضوح؛ فإنه عليه الصلاة والسلام في مكة كان أصحابه يتحملون من الأذى ما لا يتحمله إلا أشداء الرجال، ثم تركوا بلادهم وهاجروا إلى أرض الحبشة، حيث لا أهل لهم فيها ولا أقارب، وذلك بسبب الاضطهاد الذي لقوه من قومهم بمكة، فكيف يمكن أن يكون معهم من هو منافق، فماذا كان يرجو من ذلك؟! وماذا يستفيد؟! وما هي مصالحه؟!!
لقد أنزل الله سبحانه وتعالى في المنافقين آيات تتلى إلى يوم القيامة، وبيَّن فيها سبحانه وتعالى أوصافهم، وأطلع المولى نبيه عليهم، وفضحهم الله سبحانه بسورة الفاضحة (سورة التوبة) فلا يمكن أن يُخلط بينهم وبين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جمع سبحانه وتعالى في السورة بين ذكر السابقين الأولين - وهم المهاجرون والأنصار - وبين ذكر المنافقين، ففرق سبحانه وتعالى بينهم.
وهذه الرسالة التي بين يديك، سلط فيها المؤلف الضوء على هذه المسألة، وبيَّن فيها حال الصحابة رضي الله عنهم وحال المنافقين، وهي لطيفة في بابها، والحاجة ماسة إليها وإلى أمثالها، بسبب انتشار الشبهات التي يروج لها من في قلبه حقد على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو تأثر بالحاقدين، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تجاهل الفرق بين الصحابي والمنافق!!!
بل زعم من نسب نفسه إلى العلم أن من السابقين المهاجرين من هو من المنافقين، فتأمل بارك الله فيك آثار الكراهية كيف تحاول طمس الحقائق وحجبها.
ولا عجب في ذلك؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين قضوا على دولة الفرس ودولة الروم ودولة الأقباط، وقضوا على أهل الردة كبني حنيفة وغيرهم، فخصومهم وأعداؤهم كثيرون.
فجزى الله المؤلف خيرًا، ونفع برسالته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
صالح بن عبد الله الدرويش
القاضي بالمحكمة العامة بالقطيف
( [1] ) الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما عداه، والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعدل ألف صلاة فيما عداه من سائر المساجد.
( [2] ) يرى بعض المؤرخين أنهم قدموا من بلاد اليمن من مأرب، وقيل: بل قدموا من بلاد غامد، وهو الأرجح؛ كما أنه يشملها اسم اليمن أيضًا.
( [3] ) انظر: منهاج السنة النبوية: (8/449، 474) ، تفسير ابن كثير: (1/76) .
تمهيد
الحمد لله الذي ميَّزَ الإنسانَ بالعقل، وفضله على سائر المخلوقات، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.. وبعد:
فقد مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى دين الله جل وعلا مستضعفًا هو ومن معه، حتى أذن الله لهم في الهجرة تاركين ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا: (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) ) [الحشر:8] .
ولما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة خرج مهاجرًا إلى المدينة المنورة، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر؛ فلما قويت شوكة الإسلام أظهر قوم الإسلام، وأبطنوا الكفر، وعملوا على الدس والكيد في الخفاء للإسلام والمسلمين، وهم المنافقون.. ومن هنا انقسم الناس إلى: مؤمنين وكفار ومنافقين.
وقد التبس على بعض الناس الحال، فلم يميزوا بين الصحابة والمنافقين، فظنوا أن بعض الصحابة من المنافقين أو العكس؛ ولذا كان لزامًا تجلية هذه القضية وسبر غورها لمن التبست عليه، وشتان ما بين اليزيدين.