فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن تدبر الآيات علم عظيم الفرق بينهم، وعلم أن هؤلاء المنافقين كانوا نشازًا في المجتمع الإسلامي، وأنه ليس لهم دور ألبتة في الجهاد ولا في العلم ولا في تبليغ هذا الدين.
«..والله سبحانه وتعالى يعلم المؤمنين من المنافقين لا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية، ولكنه سبحانه لم يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه؛ بل قال: (( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ) [التوبة:101] ، ثم إنه ابتَلى الناسَ بأمور تميز بين المؤمنين والمنافقين، كما قال سبحانه: (( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) ) [العنكبوت:11] ، وقال تعالى: (( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ) ) [آل عمران:179] .. » ( [2] ) .
وإليك شيئًا من صفاتهم التي تميزوا بها عن المؤمنين:
فمن ذلك قوله سبحانه عن المنافقين: (( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) [التوبة:93] (( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) [التوبة:94] .
فمن صفات المنافقين وخصالهم عدم الخروج للجهاد ( [3] ) ، وهذا في غالب أحوالهم، وقد يخرجون نفاقًا أو إرجافًا أو غير ذلك، وهذا في القليل النادر.
فهم لا يألون جهدًا في الاعتذار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن صحابته رضي الله عنهم في عدم الخروج للجهاد: (( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ) ) [التوبة:94] فالمنافقون لم يخرجوا في غزوة تبوك، وإنما خرج الصحابة وكان عددهم قرابة ثلاثين ألفًا، باستثناء بضعة أشخاص من فئة المنافقين نزلت فيهم آيات بخصوصهم، وجل المنافقين ممن تخلف في المدينة.
وحينما يحس هؤلاء المنافقون بافتضاح أمرهم يحاولون جاهدين أن يقسموا الأيمان المغلظة أنهم من الصحابة، ولكن الله يفضحهم ويبين كذب دعواهم، قال سبحانه: (( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) ) [التوبة:56] .. فالصحابة صنف والمنافقون صنف آخر.
إن المنافقين لا يجدون بدًا من التخلف عن الجهاد وإبداء الأعذار الواهية، فبعضهم يعلل عدم خروجه للقتال بعدم تمكنه من إعداد العدة، ولكن الله يفضحهم ويبين أن سبب عدم خروجهم للقتال هو عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، كما قال سبحانه: (( إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) ) [التوبة:45] (( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) ) [التوبة:46] .
«فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الجهاد، وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن، فكيف بالتارك من غير استئذان؟!» ( [4] ) .
وعلل بعضهم بخشية الفتنة كما زعم! قال سبحانه: (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ) [التوبة:49] .
وتقاعس بعضهم عن الخروج لبُعد السفر وحصول المشقة؛ قال سبحانه: (( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [التوبة:42] .
ولك أن تتخيل أشكالهم عندما يُذكَرُ القتال فتدور أعينهم من الخوف والهلع، كما قال جل شأنه: (( فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ) ) [محمد:20] ، وقال سبحانه عنهم: (( رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) ) [الأحزاب:19] .