فهرس الكتاب

الصفحة 3334 من 4557

وأمام هذه الحقيقة الناصعة لجأ بعض الشيعة إلى الزعم بأن الصحابة بدلوا ونافقوا بعد ذلك، أو غير ذلك من الشبهات، وأترك المجال لك أيها القارئ لتحكم بنفسك..

الآية الأولى:

قال الله تعالى: (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) ) [الفتح:18] .

فهذه البيعة سُمِّيَت بـ (ببيعة الرضوان) لإخبار الله عز وجل أنه رضي عنهم.

وعدد الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة في أصح الأقوال ألف وأربعمائة.

وقد أقرَّ بهذا بعض علماء الشيعة الكبار.

يقول أحدهم وهو الطبرسي في تفسيره: «يعني بيعة الحديبية، وتُسَمَّى (بيعة الرضوان) ؛ لهذه الآية، ورضا الله سبحانه عنهم، وإرادته تعظيمهم وإثابتهم، وهذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السمرة...، وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم يوم بيعة الرضوان ألفًا ومائتين، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسائة، وقيل: وثمانمائة» ( [12] ) اهـ.

فهؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة حصل لهم ثلاثة أمور: أن الله رضي عنهم، وأنزل عليهم السكينة، وأثابهم فتحًا قريبًا..

فهل سلم الشيعة بهذا الفضل؟ أم أن لهم فهمًا مغايرًا أو مخرجًا آخر؟!

استدل أحد علماء السنة في إحدى المناظرات بين السنة والشيعة بهذه الآية فقاطعه المناظر الشيعي بقوله: «إذ.. إذ..» أي: أن الله رضي عنهم وقت المبايعة فقط، ثم سخط عليهم بعد ذلك، وكان فيهم منافقون! ثم قرأت الكلام نفسه لأحد علماء الشيعة الكبار ( [13] ) .

وأقول لهذا ولغيره:

إن الله عز وجل لا يرضى إلا عن القوم المؤمنين، وقد أخبر في هذه الآية أنه رضي عنهم حين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وزكى بواطنهم وشهد لهم بإخلاص النية، فقال: (( فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) ) [الفتح:18] وأنزل السكينة عليهم، ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة.

فرضاه عنهم وإخباره بذلك دليل على إيمانهم، أما المنافق فلا يمكن أن يرضى الله عنه أبدًا حال نفاقه؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وقوله: (( إِذْ يُبَايِعُونَكَ ) ) [الفتح:18] فيه أمران:

أولاهما: أن فيه إشارة إلى أن من خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبايع أنه حينئذ ليس بمؤمن، ومعلوم أنه لم يحضر في الحديبية أحدٌ من المنافقين على الصحيح إلا الجدُّ بن قيس كما ذكر ذلك النووي في شرح مسلم ( [14] ) ، وبعض علماء التاريخ والسير ( [15] ) ، ولكنه لم يبايع وتنحى بعيدًا.

وثانيهما: أن الظرف «إذ» متعلق بقوله: رضي، وفي تعليق هذا الظرف «إذ يبايعونك» بفعل الرضا إشارة إلى أن سبب الرضا هو ذلك الظرف الخاص وهو المبايعة، مع ما يعطيه توقيت الرضا بهذا الظرف «إذ» من إشارة لطيفة بتعجيل حصول الرضا، وكون الرضا حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها.

ويشهد لهذا قوة المؤكدات في هذا الرضا، حيث أتى باللام الموطئة للقسم، وقد -وهي للتحقيق- والقسم المقدر.

ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه سخط على من بايع تحت الشجرة كما أخبر برضاه عنهم، ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما كما ترويه عنه كتب الشيعة: «أخبرنا الله أنه رضي عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد؟» ( [16] ) .

بل هذه الآية تتلى إلى يوم القيامة، فهل يتلى الرضا ويستمر ذكر الثناء إلى يوم القيامة على أناس قد بدلوا وغيروا ونافقوا؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.

ومن العجائب أن تجد من ينسب نفسه للفقه والتحقيق يجعل المنافقين مع الذين بايعوا! فينسب الجهل إلى الله تعالى؛ إذ كيف رضي سبحانه وتعالى عنهم وفيهم المنافقون؟!

وتارة يفر من الآية ويقول: الرضا حصل لدقائق محدودة -أي ساعة المبايعة- ثم سخط بعد ذلك؟!

فيقال لهذا: هل كان الله يعلم أنهم سيبدلون أم لا؟ فإن قال: لا، فهي طامة كبرى؛ حيث اتهم الله بالجهل عياذًا بالله! وإن قال: نعم، فيقال: كيف يجعل الله الرضا يتلى إلى يوم القيامة وهو يعلم أن الفضل لن يستمر إلا سنواتٍ محدودة ثم يبدلون؟! فقائل هذا كأنه يصف القرآن بغش الأمة.. وحاشا ذلك أن يكون!

اللهم اجعلنا ممن رضوا عنك ورضيت عنهم يا رب العالمين..

الآية الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت