والجواب: أن الشيعة يعتقدون أن الله نص على إمامة اثني عشر إمامًا ( [1] ) ، وهذا من أصول الدين وجحده كفر ( [2] ) ، ولهذا قالوا بارتداد الصحابة لما جحدوا هذا الأصل وبايعوا الصديق رضي الله عنه، وقد أُجبِرَ عليٌّ رضي الله عنه على البيعة وأكره عليها.. إلخ.
فهل كان علي رضي الله عنه يرى النص على الإمامة؟ وهل يعتقد في الإمامة ما يعتقده الشيعة اليوم؟
لنترك الكلام له رضي الله عنه حيث يقول متحدثًا عن بيعته لأبي بكر رضي الله عنه:
«..فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور، فيسر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدًا» ( [3] ) .
وهذه الرواية جاء في أولها أن عليًا رضي الله عنه امتنع عن المبايعة أول الأمر؛ إما لأنه كان يرى أنه أحق بها لقرابته، أو لأنه يرى أن له حقًا في اختيار الإمام والخليفة، ولكنه بايع بعد ذلك، وأثنى هذا الثناء، ولا يمكن أن يثني هذا الثناء على أبي بكر رضي الله عنه ويشهد له بأنه يسر وسدد وقارب لو لم يكن كذلك.
وقد صرح السيد محمد آل كاشف الغطاء بهذه الحقيقة، فقال: (وحين رأى أن الخليفتين -أعني: الخليفة الأول والثاني- بذلا أقصى الجهد في نشر التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح، ولم يستأثرا ولم يستبدا بايع وسالم) ( [4] ) .
وبهذا يظهر فساد القول بمخالفة الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله ورسوله، واغتصاب الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم لحق عليٍّ رضي الله عنه وتصرفهم في الأرض بغير وجه حق، وقد رأيت كلام علي رضي الله عنه مع ما سيأتي من ظاهر أحوالهم معه وأحواله معهم، مما ينبئ بخلاف ذلك، فلم يكن يجمعهم سوى المحبة والاحترام وإقرار كل واحد منهم بفضيلة الآخر..
وعلي رضي الله عنه لا يعتقد النص على الإمامة؛ بل كان يرى أن الخلافة الشرعية هي ما تمت بمشورةٍ من المهاجرين والأنصار، وكان يرى شرعية خلافة أبي بكر وعمر، بل وكان يثني عليهما كثيرًا..
يقول رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة) : «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا، كان ذلك لله رضًا، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى» ( [5] ) .
فقد احتج بهذا على معاوية ليلزمه ببيعته، ومبينًا أن الحق هو: أن من بايعه المهاجرون والأنصار تمت بيعته، وكان هذا وفق مرضاة الله سبحانه.
وما كان لمثل علي رضي الله عنه أن يحابي أحدًا في دين الله، ولا أن يَستدِلَّ بباطلٍ ليثبت حقًا، ولا أن يتفوه بباطلٍ عمدًا مسايرةً لأحد، كيف والشيعة تدعي أنه معصوم، وأنه قمة في الشجاعة؟! رضي الله عنه وأرضاه.
علاوة على ذلك نجد أنه يقول عن بيعة المهاجرين والأنصار: «فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا» ، وهم ولا شك قد اجتمعوا على بيعته، كما اجتمعوا قبل ذلك على بيعة أبي بكر ثم بيعة عمر ثم بيعة عثمان، وسموا كل واحد منهم: «إمام المسلمين..» بل لم يحصل من الاجتماع عليه كما حصل لمن سبقه.
وجاء في (نهج البلاغة) أيضًا عن علي رضي الله عنه أنه قال: «دعوني والتمسوا غيري..» إلى أن قال: «وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا» ( [6] ) .
وهذا القول يدل على عدم النص؛ إذ لو كان هناك نصٌ لم يجز بحال من الأحوال أن يقول هذا الكلام، بل لوجب عليه أن يقول: خير الأمور أن أكون أميرًا عليكم؛ إذ مقتضى كونه حكم الله أن يكون خير الأمور، وأن يُظهر النَّص ويصرح به وقت الحاجة، ولاسيَّما والناس يطلبون منه البيعة وهو يعتذر عنها، ولو ساغ له كتم النص أول الأمر، فكيف يصح له في مثل هذا الموقف؟!!
فتبين من هذين النصَّيْن عن علي رضي الله عنه عدم وجود نص على الإمامة..
وقد اشتمل القرآن على أصول العقائد والأحكام -وإن كانت تفاصيلها في السنة المطهرة- ومع ذلك لا نجد من بينها النص على الإمامة نصًا ظاهرًا يفهمه كل من قرأ القرآن بلسان عربي مبين، وأما الروايات فكلٌ يستطيع وضع رواياتٍ على ما يريد تفسيرًا للقرآن أو غير ذلك، ومن ثَمَّ نحتاج إلى التمحيص ومعرفة الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود.
ثم إن الاستدلال بهذه الروايات لا يستقيم؛ إما لضعفها، وإما لعدم دلالتها، ناهيك عن كون بعضها ينقض بعضًا.
فحديث غدير خم ( [7] ) ، وما روي فيه من قول بعض الصحابة لعلي رضي الله عنه: «هنيئًا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» ( [8] ) ، يُبْطِلُ الاستدلالَ بما قبله من روايات، كحديث يوم الدار ( [9] ) ؛ فإن كون هذا الحديث ينص على الإمامة وأنه في هذا اليوم صار مولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ؛ حيث هنأه بعضهم على ذلك، كل هذا يدل على أن الإمامة لم ينص عليها قبل ذلك.