فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 4557

والدعوة إلى الهجرة كانت لمناسبة خاصة وليست هي السبيل الوحيد لمواجهة الظلم . فللجماعات سبل أُخرى سيأتي بيانها . إنما نريد هنا أن نؤكد استفظاع الإسلام للرضى بالظلم ، إلى حد أن تكون عقوبته هي جهنم ، ولا ينجو منها إلا المستضعفون حقيقة ، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا . وذلك لكي لا يقعد عن الجهاد أحد يملك ذرة من القدرة على الجهاد .

أما المستضعفون حقيقة فليسوا متروكين لأمرهم ، يحتملون الظلم بلا نصير . فالأُمة الإسلامية كلها مدعوة للجهد في سبيلهم ودفع العدوان عنهم:"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ( ) ".

فالظلم لا يقع على طائفة من الناس أو على كثرتهم ثم يسكتون عنه فيرضى الله عنهم ولن يرضى الله عنهم حتى يكافحوا الظلم ويردوه عن المظلومين .

وربما ظن البعض أن هذه الآيات خاصة بالعقيدة فحسب ، أي بوجود مسلمين في وسط مشركين يجبرونهم على الشرك بالله وعدم القيام بشعائر العبادة الإسلامية .

ولكن الإسلام لا يفرق بين شعائر العبادة وبين تنفيذ النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتفرعة عن هذه العقيدة . ولا يفرق بين أن يكون الذين يمنعون تنفيذها كفارًا بالاسم والفعل . أو مسلمين بالاسم وكفارًا في واقع الأمر:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ( ) .

والإسلام يأمر بألا يكون المال"دولة بين الأغنياء"ويأمر بأن تكفل الدولة رعاياها بكل الطرق الممكنة: إما بإيجاد العمل الكريم لهم ، وإما بالإنفاق المباشر عليهم من بيت المال في حالة العجز عن العمل . ويأمر نبي الإسلام بضمانات معينة - ذكرناها من قبل - بالنسبة لموظفي الدولة ، وهي تنطبق بالقياس على كل من يؤدي عملًا في مؤسسة خاصة أو عامة .. وكل ذلك جزء من هذا الدين لا يتم إيمان الناس حتى يقرّوا به ويسعوا إلى تنفيذه . وعليه تنطبق الآيات السالفة الذكر التي تذكر الظلم وحكم"ظالمي أنفسهم"الذين يقبلون هذا ولا يكافحونه .

ونفرض أن الناس قد قعدوا عن مكافحة الظلم الاجتماعي إطاعة للمعنى المتوهم من الآيات التي تقول:"ولا تَتَمَنَّوا ما فضل الله به بعضكم على بعض"أو"ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم"فما الذي يحدث عند ذاك ؟

يحدث أن تتكدس الأموال في يد فئة خاصة من الناس يتداولونها فيما بينهم ويحرمون منها المجموع"كما يحدث في الإقطاع والرأسمالية"وذلك منكر لأنه مخالف لأمر الله:"كيلا يكون دولة بين الأغنياء".

ويحدث أن يحبس الأغنياء هذه الأموال ، أو ينفقوها على أنفسهم في صورة ترف وملذات . فإن كان الأولى فهي منكر:"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" ( ) ولا عذاب إلا على منكر لا يرضي الله . وإن كانت الثانية فهي منكر كذلك والآيات التي تحرم الترف كثيرة جدًا في القرآن ، كلها تصم المترفين بالكفر والفسوق:"وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنَّا بما أرسلتم به كافرون ( ) "…"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميرًا ( ) ".."وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال: في سموم وحميم ، وظل من يحموم ، لا بارد ولا كريم ، إنهم كانوا قبل ذلك مترفين" ( ) .

لا يمكن إذن أن ينتج من قعود الناس عن مكافحة الظلم الاجتماعي إلا منكر . فكيف يتهم الإسلام بأنه يدعو الناس إلى الرضا بالمنكر والسكوت عليه ابتغاء مرضاة الله ! والله يقول:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون" ( ) فيجعل السكوت على المنكر وعدم التناهي عنه علامة من علامات الكفر بالله تستوجب غضبه ولعنته وعقابه ؟ ! والرسول يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره". ويقول:"أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر". ولن تحدث هذه المنكرات في المجتمع ويرضى عنها الحاكم أو يتسبب فيها إلا كان إمامًا جائرً تجب مقاومته جهادًا في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله ؟ !

أي عقل ذلك الذي يجيز فهم الإسلام على أنه يأمر بالرضى عن الظلم والسكوت على الحرمان ، إلا عقل منحرف لا يستطيع أن يفهم ولا يستطيع التخلص من الهوى والشهوات ؟

إنما تنصرف الآيات التي أوردناها في أول الفصل إلى النهي عن التمني الفارغ الذي لا يصحبه عمل منتج ؛ وإلى الرضى بما لا يستطيع أحد في الأرض أن يغيره: لا الدولة ولا المجتمع ولا أحد من الناس .

فلنفرض أن إنسانًا وهب موهبة حازت له الشهرة وإعجاب الناس ، وآخر يتحرق شوقًا إلى مثل هذه الشهرة وهو لا يملك مثل موهبته . فما الذي تصنعه الدولة يا ترى لإرضاء هذا الشوق ، ومنعه أن يتحول إلا حقد مريض ؟ هل"تصنع"الدولة له موهبة في أحد مصانعها !؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت