فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 4557

فكان من مقرراته في هذه الرسالة أن نفع الصلاة قد ثبت له - علميًا - كما تثبت التجارب الطبيعية , و أنه لا فرق في هذا بين صلاة الإنسان لنفسه أو صلاته لغيره ما دام صادق النية صادق الطلب في لحالتين . و أحد هؤلاء العلماء الكبار - اوليفر لودج - و هو من أشهر علماء الرياضة و الطبيعة يرد على القائلين بمخالفة الصلاة لسنن الكونية فيقول:

(( إنهم يتوهمون ذلك لأنهم يحكمون على الصلاة حكمهم على ظاهرة طبيعية خارجة من حدود الكون . و لكنها في الواقع ظاهرة كونية يحسب حسابها في أعمال الكون كما يحسب حسابها في سائر الحوادث التي تقع في حياتنا بغير صلاة .. و إذا كانت الصلاة تربية نفسية فلماذا يحسب المعترضون أن هذه التربية ليست سببًا لتحقيق بعض الحوادث كما تسببها كل تربية يتم بها استعداد الإنسان لغاية من الغايات ؟ ) ).

و الواقع التاريخي عن الصلاة - بمعنى الدعاء إلى الله - أنها ظاهرة روحية تعرف بالديانات العليا , و لا تعرف بالديانات البدائية على هذا المعنى .

فهي نتيجة لترقي الإنسان في فهم وحدة الكون ووحدة القوة الإلهية التي تقوم بتدبيره , و لهذا تعرف في أديان الموحدين و المتحضرين , و لم تكن معروفة على هذا النحو بين الهمج الأولين الذين يعددون الأرباب , و يوزعونها بين عناصر الطبيعة في الأرض و السماء , و يطلبون من كل منها ما يقدر عليه و لا يقدر علي غيره , و يجعلون صلاتهم من قبيل المساومة على تبادل المنفعة لاعتقادهم أن أربابهم تحتاج إلى دعواتهم و قرابينهم كما يحتاجون هم إلى نعمها و عطاياها . و قد بقيت من هذا الأسلوب في الصلاة بقية مشهودة بين الجهلاء الذين يساومون الأولياء على الشموع و الذبائح إذا استجابوا لما يدعونهم إليه من إغاثة الملهوف , ورد المفقود , و تحقيق الغرض المأمول و لو لم يكن من الأغراض التي تحسن بالأولياء .

فالصلاة في الأديان العليا علامة من علامات التقدم الإنساني في فهم حقائق الكون و فهم الصفات الإلهية , و لا قوام لدين من الأديان بغير الإيمان بالصلاة على معنى الطلب و الدعاء , مع الإيمان برياضتها الروحية و صلتها الوثيقة التي تربط عالم الشهادة بعالم الغيب , و تجعل وجود الإله حقيقة أعلى من حقيقة النواميس أو حقيقة الحوادث الكونية التي تهم الإنسان في مطالب معيشته , كما تهمه في مطالب ضميره .

فلا الدين و لا العلم يقضيان على الإنسان أن ينكر حقيقة النواميس الطبيعية , و لكن وجود الإله قائم في ضمائرنا على إيماننا بأن النواميس الطبيعية وحدها لا تغني الإنسان عن الاتصال بخالقها , لن وجود النواميس لا يلغي عمل الإله , و لا يعني أن الاتصال به و الانقطاع عنه سواء . و الذين يفهمون أن نواميس الطبيعة واقع مفروغ منه يخالفون العلم و الفلسفة و ليس قصاراهم أنهم ينكرون الإرادة الإلهية من ورائها

فمن المقررات العلمية المشهودة التي اشتهرت حديثًا باسم نظرية هيزنبرج (( Heisenberg ) )أن العلم لا يستطيع أن يعرف مقدمًا كيف يتصرف كهرب واحد من كهارب الأجسام المادية , و أن الذي نعرفه من ذلك إنما هو حكم الجملة يستحيل تطبيقه على الأجزاء المتفرقة , و من المشاهد التي يقربون بها هذا الرأي تقدير شركات التأمين لحوادث السيارات في البلد الواحد و السنة الواحدة , فإنهم يحسبون الحساب لإصابة عشرين سيارة من كل ألف سيارة - مثلًا - فيصدق هذا التقرير و تنتظم عليه موارد الشركة و مصاريفها , و لكن أخبر الخبراء في الشركة لو سئِل أن يدل على هذه السيارات العشرين أو بعضها لما استطاع .

و العلماء الذين يعتقدون أن النواميس الكونية مسألة قديمة حصلت و فرغ الأمر منها يتمثلون الكون كأنه مكنة صنعت و أرسلت في طريقها و انقطعت عوامل التكوين فيها , و لكن هذا الاعتقاد ضرب من التصور لا يولفقه عليه كثير من العلماء و المفكرين , و من هؤلاء المفكرين من يقول - كما قال بيرس Pierce - إن المصادفات قد تكون اليوم قوانين في دور التكوين و ليس شذوذًا عن قوانين مبرمة منذ الأزل , و إن القوانين قد تكون مصادفات تكررت على وتيرة واحدة و لكنها لا يرتبط بعضها ببعض ارتباط الأسباب بالمسببات ..

و مذهب بيرس هذا مطابق لقول الحكيم الإسلامي أبي حامد الغزالي , و مطابق للإجماع الذي انعقدت عليه آراء المحدثين , فإنهم يقولون إن التجارب العلمية إنما هي تجارب وصفية تسجل الواقع كما يتكرر أمام المجربين , و لكنها ليست بالتفسيرات التي تعلل الأسباب بعلة محققة غير علة التكرار و الاستمرار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت