فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهذا عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى من تعظيم أصحابه له، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكادوا يقتتلون ( [13] ) عليه، ولا يبصق بصاقًا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له، فلما رجع إلى قريش قال: (يا معشر قريش، إني أتيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكًا في قومه قط مثل محمد في أصحابه) ( [14] ) .
وعن أنس: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) ( [15] ) .
وفي حديث: (فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا القرفصاء أرعدت من الفرق هيبة له وتعظيمًا) ( [16] ) .
وفي حديث المغيرة: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافر) ( [17] ) .
وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: (لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمر، فأؤخره سنين من هيبته.. ثم قال رضي الله عنه: واعلم أن حُرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثه وسنته وسماع اسم سيرته ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته) ( [18] ) .
فهل بلغ أسماعكم أو وقعت أعينكم على مثل هذا الأدب والتوقير؟ فيالها من دلالات حب من الصحابة رضي الله عنهم لسيد البشر صلى الله عليه وسلم.
( [1] ) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: جامع الجوامع، من وحي القرآن (سورة الفتح:29) .
( [2] ) تفسير جامع الجوامع, وانظر: تفسير من وحي القرآن، العياشي (سورة التوبة:100) .
( [3] ) أمالي الصدوق: (ص:400) , أمالي الطوسي: (ص:440) , الخصال: (2/342) ، بحار الأنوار: (22/305) .
( [4] ) نهج البلاغة: (ص:143) ، وانظر: الكافي: (2/236) ، بحار الأنوار: (66/307) .
( [5] ) نهج البلاغة: (ص:91) ، بحار الأنوار: (32/549) .
( [6] ) الصحيفة السجادية: (ص:42) .
( [7] ) بحار الأنوار: (22/305) .
( [8] ) بحار الأنوار: (22/309) ، وانظر: نوادر الراوندي: (ص:23) .
( [9] ) بحار الأنوار: (22/309) .
( [10] ) بحار الأنوار: (2/144) .
( [11] ) بحار الأنوار: (13/340) , تفسير الإمام العسكري: (ص:31) ، تأويل الآيات: (ص:411) .
( [12] ) بحار الأنوار: (17/32) .
( [13] ) وفي الأصل: يقتلون.
( [14] ) المصدر نفسه.
( [15] ) المصدر نفسه.
( [16] ) المصدر نفسه.
( [17] ) المصدر نفسه.
( [18] ) المصدر نفسه.
المطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم:
من بعد أن تبين لنا كيف فاض المدح والثناء على الصحب الكرام، جاء التخصيص والتقييد على طائفة منهم وهم الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول.
فخص الثقلان (كتاب الله وعترته آل البيت) بثنائهم وكريم مدحهم الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم، فما ذُكر في كتاب الله من ثناء على الصحابة فالخلفاء الثلاثة داخلون فيه من باب أولى، وأما عترة آل البيت فقد نال الخلفاء الثلاثة من ثنائهم الشيء الكثير لتميزهم وانفرادهم بخصائص لم تتوفر في غيرهم من الصحابة، وللعلاقة الوطيدة بين الخلفاء الثلاثة وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت أشهر من نار على علم.
فقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة ابنتي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل لم يتزوج هاشمية وله إحدى عشرة امرأة، وزوج ابنتيه: رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان ( [1] ) وزوج الإمام علي عليه السلام ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب ( [2] ) ، وسمى أولاده بأسمائهم وكذا أبناؤه ( [3] ) .
ويمكن أن يستدل على حسن علاقة بعضهم ببعض، وعلى ما بينهم من مودة ومحبة وطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما يظهر هذا جليًا لمن صلح قلبه، وزالت غشاوة التعصب عن بصره، وقلَّب بصره في كتب التاريخ بأمور كثيرة وروايات عدة.
ولقد اكتفيت ببعض الروايات التي ساقها العلماء في كتبهم عن الأئمة عليهم السلام والدالة على هذا الثناء.
قال الإمام علي عليه السلام: (ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا) ( [4] ) .
وقال عليه السلام مثنيًا على خلافة الثلاثة، وعلى من اختارهم:
(إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى) ( [5] ) .