فهرس الكتاب

الصفحة 3642 من 4557

(((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ) )إلى المدينة هربًا من مكة ومن غيرها (( أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ) )جاءوا (( يَبْتَغُونَ ) )يطلبون (( فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) )أي: وينصرون دين الله، (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ) )يعني: المدينة حيث سكنها الأنصار قبل المدينة, أو قبل إيمان المهاجرين وهم أصحاب ليلة العقبة سبعون رجلًا بايعوا رسول الله على حرب الأبيض والأحمر، (( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) )وقد أحسنوا إلى المهاجرين، وأسكنوهم دورهم، وأشركوهم في أموالهم، ولا يجدون في قلوبهم حسدًا ولا غيظًا مما أعطي المهاجرون دونهم من مال بني النضير، (( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) )أي: مع فقرهم وحاجتهم (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) )أي: ومن يدفع بخل نفسه (( فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) )الناجحون الفائزون بثواب الله) ( [1] ) .

وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي:

(( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ) )الذين تركوا مكة وقصدوا المدينة هجرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ومن دار الحرب إلى دار السلام، وهم (( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ) )التي كانوا يملكونها (( يَبْتَغُونَ ) )يطلبون.. (( فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) )راغبين بفضله ورضاه ورحمته.. (( وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ) )أي: يهاجرون نصرة لدينه وينصرون.. (( وَرَسُولَهُ ) )بتقويته على أعدائه (( أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) )فعلًا؛ لأنهم قصدوا نصر الدين، واستجابوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن مدح أهل مكة وغيرها من المهاجرين مدح الأنصار من أهل المدينة؛ لأنهم طابت أنفسهم من الفيء فرضوا تقسيمه على المهاجرين المحتاجين، فقال.. (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ) )أي: سكنوا المدينة، وهي دار الهجرة التي تبوأها الأنصار قبل المهاجرين (( وَالإِيمَانَ ) )إذ لم يؤمنوا قبل المهاجرين، بل آمنوا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إلا قليل منهم.

أما عطف الإيمان على الدار في التبوّء، فهو عطف ظاهري لا معنوي؛ لأن الإيمان لا يتبوأ، وتقديره وآثروا الإيمان على الكفر (( مِنْ قَبْلِهِمْ ) )يعني: قبل قدوم المهاجرين إليهم حين أحسنوا إليهم، بأن أسكنوهم بيوتهم وشاركوهم في أموالهم (( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) )أي: لم يكن في قلوبهم حزازة ولا غيظ ولا حسد بسبب ما أخذ المهاجرون من الفيء الذي استولوا عليه من مال بني النضير، بل طابت به نفوسهم وكانوا (( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) )أي: يقدمون المهاجرين ويفضلونهم على أنفسهم في العطاء (( وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) )أي: ولو كانت بهم حاجة وفقر، وذلك رأفة بإخوانهم وطلبًا للأجر والثواب (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) )أي: الفائزون بثواب الله تعالى الرابحون لجنته ونعيمها ( [2] ) .

وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ) [الأنفال:74-75] .

قال الشيخ محمد السبزواري النجفي:

(( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ) )أي: الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله، وأيقنوا بوجود الله ووحدانيته، وتركوا ديارهم فرارًا بدينهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا معه لينصروا دينه وشريعته (( أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) ) [الأنفال:74] هم المصدقون فعلًا، قولًا وعملًا، وقد حققوا إيمانهم حتى برهنوا أنه إيمان حق، فهؤلاء (( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) )أي: أعد الله لهم (مغفرة) : تجاوزًا عن سيئاتهم، ورزقًا كريمًا: واسعًا عظيمًا لا ينغصه شيء من المكدرات... (( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ) ) [الأنفال:75] أي: الذين آمنوا بعد فتح مكة، وقيل: هم الذين آمنوا بعد إيمانكم (( وَهَاجَرُوا ) )إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرتكم الأولى (( وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ ) )فقاتلوا الكفار والمشركين بجانبكم (( فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ) )فهم من جملتكم إيمانًا وهجرةً وجهادًا وحكمًا في الموالاة والميراث والنصرة، رغم تأخر إيمانهم وهجرتهم ( [3] ) .

وقال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ ) ) [التوبة:20] .

قال السيد محمد حسين فضل الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت