فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي عليه السلام إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة، ويقول: (إن هذا ابني سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين) ( [17] ) .
وقد جعل الإمام الحسن بن علي عليه السلام أحد شروط الصلح مع معاوية، أن يحكم في الناس بالكتاب والسنة، وعلى سيرة الخلفاء الراشدين ( [18] ) .
ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما - مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي - فقد كان معاوية كلما تذكر عليًا بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه.
فعن الأصبغ بن نباتة قال:(دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقال له: صف لي عليًا؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي.
قال ضرار: رحم الله عليًا! كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -والله- مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم.
فقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم الله عليًا كان -والله- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار...
قال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار! كذلك والله كان علي، رحم الله أبا الحسن) ( [19] ) .
هذا هو حال الإخوة في الزمن الماضي، لم يمنع اختلافهم في الاجتهاد من تراحمهم وخلو قلوبهم من الغل والبغضاء، والتاريخ خيرُ معين لفهم حوادث الزمن الماضي، بعيدًا عن أقوال مبناها عاطفة هوجاء تتقاذف بالمسلم في كل صوب، وليس له من بعد ذلك إلا زيغ الشيطان وشبهاته تتحكم به، والعياذ بالله.
( [1] ) بحار الأنوار: (34/414) .
( [2] ) المقالات والفرق: (ص:20) .
( [3] ) فرق الشيعة: (ص:22) .
( [4] ) انظر: رجال الكشي: (ص:107، 108) .
( [5] ) رجال الطوسي: (ص:51) .
( [6] ) رجال القهبائي: (3/284) .
( [7] ) جامع الرواة: (1/485) .
( [8] ) مستدرك الوسائل: (18/168) , مدينة المعاجز: (1/226) .
( [9] ) نهج البلاغة: (ص:243) , بحار الأنوار (31/502) .
( [10] ) نهج البلاغة: (ص:366) ، بحار الأنوار: (33/76) .
( [11] ) نهج البلاغة: (ص:448) ، بحار الأنوار: (33/306) .
( [12] ) قرب الإسناد: (ص:45) ، بحار الأنوار: (32/324) .
( [13] ) تفسير مختصر مجمع البيان (3/308) ، وانظر أيضًا: تفسير المعين، بيان السعادة، مقتنيات الدرر، الميزان، الكاشف في تفسير سورة الحجرات: (9-10) .
( [14] ) وفي الأصل: من أهل الشام.
( [15] ) مستدرك الوسائل: (12/306) ، بحار الأنوار: (32/399) ، وقعة صفين: (ص:102) .
( [16] ) نهج البلاغة: (ص:323) ، بحار الأنوار: (32/561) .
( [17] ) كشف الغمة: (1/519) ، بحار الأنوار: (43/298) ، عوالي اللآلي: (1/102) .
( [18] ) انظر: كشف الغمة: (1/570) ، بحار الأنوار: (44/64) .
( [19] ) بحار الأنوار: (41/14) ، أمالي الصدوق: (624) .
المبحث الرابع: المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين
اتخذ أعداء الله والمبغضون لوحدة الصف الإسلامي مما وقع بين الصحابة في وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سببًا وذريعة للوقيعة بهم، والنيل من عدالتهم.
وقد جرى على هذا المخطط الفاسد بعض الكتاب المتقدمين والمتأخرين من أهل البدع والضلال، الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لا يحسنون، فجعلوا أنفسهم حكمًا بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يصوبون بعضهم، ويخطئون آخرين بلا دليل وحجة، لا سبيل لهم إلا سبيل الجهل واتباع الهوى، وترديد ما يقوله المغرضون والحاقدون من المبتدعة وأذنابهم من الكتّاب الضالين، حتى شككوا الكثير من عوام المسلمين في كتاب الله ( [1] ) وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم عن طريق الطعن في عدالة الناقلين.
وقد اتخذ هؤلاء الكتاب لتقوية باطلهم وكلامهم المأفون عدة شبه وأساليب ملتوية خبيثة في سبيل تشويه التاريخ، وزرع الفتن والبغضاء بين المسلمين، ومن تلك الأساليب:
أولًا: إسقاط عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
أشاع أولئك المرجفون بين العوام: كيف نأتمن ونطمئن بأخذنا القرآن والسنة من أناس قد وقعت منهم الذنوب والمعاصي؟ وكيف نأخذ ديننا من أناس قد حكم الله عليهم بالنفاق؟