ج-وفي سنة 1950 عقدت شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولي للحقوق المقارنة مؤتمرًا للبحث في الفقه الإسلامي في كلية الحقوق من جامعة"باريس"تحت اسم:"إسبوع الفقه الإسلامي"، ودعت إليه عددًا كبيرًا من أساتذة كليات الحقوق العربية ، وغير العربية ، وكليات الأزهر الشريف ، ومن المحامين الفرنسيين والعرب ، وغيرهم من المستشرقين ؛ وقد اشترك فيه أربعة من مصر من الأزهر والجامعات ، واثنان من سورية ، وقد دارت المحاضرات حول موضوعات فقهية خمسة ، عينها المجمع الدولي قبل عام ، ووجهت دعوة المحاضرات فيها ، وهي
1-إثبات الملكية .
2-الاستملاك للمصلحة العامة .
3-المسؤولية الجنائية .
4-تأثير المذاهب الاجتهادية بعضها في بعض .
5-نظرية الربا في الإسلام .
وكانت المحاضرات كلها باللغة الفرنسية ، وخصص لكل موضوع يوم ، وعقب كل محاضرة كانت تفتح مناقشات مع المحاضر .
وفي خلال بعض المناقشات وقف أحد الأعضاء ، وهو نقيب سابق للمحامين في باريس فقال:
"أنا لا أعرف كيف أوفق ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي ، وعدم صلوحه أساسًا تشريعيًا يفي بحاجات المجتمع العصري المتطور ، وبين ما نسمعه الآن في المحاضرات ، ومناقشاتها ، مما يثبت خلاف ذلك تمامًا ببراهين النصوص والمبادىء"
وفي الختام وضع المؤتمرون بالإجماع هذا التقرير الذي نترجمه فيما يلي:
(بناء على الفائدة المتحققة من المباحثات التي عرضت أثناء"أسبوع الفقه الإسلامي"وما جرى حولها من المناقشات التي نستنتج منها بوضوح:
1-إن مبادىء الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها .
2-إن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات ، ومن الأصول الحقوقية -وهي مناط الإعجاب- وبها يتمكن الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة ، والتوفيق بين حاجاتها ..)
في هذه الشهادات من المؤتمرات الدولية المتخصصة دليل قاطع على عظمة هذه الدعوة الإسلامية ، وتجددها وعطائها ، وشمولها وخلودها على مدى الزمان والأيام .
{ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} ؟ .
شهادة المنصفين في العالم
أما شهادة المنصفين في العالم
فإنها أعظم من أن تحصى ، وأكثر من أن تستقصى ، هذه الشهادات ليست من رجال الأزهر ، وعلماء الإسلام ، وأساتذة الشريعة في الجامعات ؛ وإنما هي شهادات من كبار رجال القانون الوضعي الذين رضعوا من لبانه ، وترعرعوا في رحابه ، وهي شهادات معللة تحمل في عباراتها براهين صدقها ، معترفة بفضل الشريعة وصلاحيتها ، وسبقها وتفوقها .
ولا بأس أن نسوق هنا بعض شهادات هؤلاء المنصفين للذين لا يزالون يثقون بالفكرة إذا هبت ريحها من جهة الغرب:
-يقول الدكتور"إيزكو انساباتو": (إن الشريعة الإسلامية تفوق في كثير من بحوثها الشرائع الأوربية ، بل هي تعطي للعالم أرسخ الشرائع ثباتًا) .
-ويقول العلامة"شبرل"عميد كلية الحقوق بجامعة"فينا"في مؤتمر الحقوق سنة 1927: (إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد صلى الله عليه وسلم إليها ، إذ رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة) .
-ويقول الفيلسوف الإنكليزي"برنارد شو": (لقد كان دين محمد صلى الله عليه وسلم موضع تقدير سامٍ لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة ، وأنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة ، وأرى واجبًا أن يدعى محمد صلى الله عليه وسلم منقذ الإنسانية ، وإن رجلًا كشاكلته إذا تولى زعامة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته ..) .
-ويقول المؤرخ الإنكليزي"ويلز"في كتابه"ملامح تاريخ الإنسانية": (إن أوروبة مدينة للإسلام بالجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية ..) .
-ويقول المؤرخ الفرنسي"سيديو": (إن قانون نابليون منقول عن كتاب فقهي في مذهب مالك هو شرح الدردير على متن خليل) .
-ونقل"غوستاف لوبون"عن الأستاذ"ليبري"قوله: (لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبة الحديثة عدة قرون) .
-ويقول"لين بول"في كتابه"العرب في أسبانيا": (فكانت أوروبة الأمية تزخر بالجهل والحرمان ، بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم ، وراية الثقافة في العالم) .
-ويقول"أدموند بيرك": (إن القانون المحمدي قانون ضابط للجميع من الملك إلى أقل رعاياه ، وهذا القانون نسج بأحكم نظام حقوقي ، وشريعة الإسلام هي أعظم تشريع عادل لم يسبق قط للعالم إيجاد نظام مثله ، ولا يمكن فيما بعد ..) .
-وسبق أن ذكرنا ما قاله القانوني الكبير"فمبري": (إن فقه الإسلام واسع إلى درجة أنني أعجب كل العجب كلما فكرت في أنكم لم تستنبطوا منه الأنظممة والأحكام الموافقة لزمانكم وبلادكم ..) .
فهذه الأقوال وأقوال كثيرة غيرها تشهد بجلاء ووضوح على ما انطوت عليه الدعوة الإسلامية من ثروة قانونية وتشريعية ، وقوة دفع علمية وحضارية .