فهرس الكتاب

الصفحة 3786 من 4557

الوجوب العقلي هو عدم قبول الانتفاء في العقل، فالواجب ما لا يتصور العقل نفيه، أي ما لا يمكن للعقل أن ينفك عن إثباته. والاستحالة ضد الوجوب فهي عدم قبول الثبوت في العقل، فالمستحيل ما لا يتصور العقل ثبوته، أي أن العقل لا ينفك عن نفيه وسلبه والحكم بعدمه كلما عرض مفهومه على العقل. أما الجواز أو الإمكان العقلي فهو تمام القسمة العقلية بين الوجوب والاستحالة، فهو قبول الثبوت والانتفاء في العقل؛ فالجائز العقلي هو ما يتصور العقل ثبوته ونفيه، أي أنه عند عرضه على العقل فإن العقل ينفك عن إثباته كما ينفك عن نفيه. ودليل الحصر أن المعلوم إما أن لا ينفك العقل عن إثباته وهو الواجب، أوْ ينفك عن إثباته كما ينفك عن نفيه وهو الجائز، أو لا ينفك عن نفيه وهو الممتنع لذاته. ولا ثالث بين الإثبات والنفي كما هو مقرر. فثبت بذلك انحصار الأحكام المذكورة في الثلاثة.

مما مضى نلاحظ أن المستحيل لا يمكن للعقل أن يحكم بوقوعه لأن ذات المستحيل غير قابلة للثبوت في نفسها، فلا تقبل إلا الانتفاء. أما الممكن فذاته تقبل الثبوت والانتفاء. وذات الواجب متصفة بالثبوت قطعًا ودائمًا لأنها غير قابلة للانتفاء. وهذه الأحكام الثلاثة عقلية، بمعنى أن الحاكم فيها إنما هو محض العقل، إذ لا يحتاج العقل في الحكم بالجواز أو الاستحالة أو الوجوب على أمر ما إلا إلى فهمه وإدراك معناه، أي تصوره ولو من وجهٍ ما بما يكفي للحكم عليه بهذه الأحكام. فإن تعذر تصوره مطلقًا ولو ببعض لوازمه الكافية لغرض الحكم عليه، تعذر الحكم عليه مطلقًا. وهذا هو المراد من عبارة المشايخ: (الحكم على الشي فرع عن تصوره) . وهذه القضايا وإن بدت لك سهلة إلا أنها دقيقة عميقة لقربها من مبادئ العقول، وفيها بحوث وتفصيلات تطول، فتأملها جيدًا لأنها مبادئ لا غنى عنها في دراسة أي علم من العلوم.

وما أريد قوله هنا، هو أن المحتاج إليه لإطلاق هذه الأحكام لا يتعدى إدراك ذات المحكوم عليه إلى شيء آخر خارج عن مفهومه أبدًا. وإن بعض الأمور الممكنة لذاتها أي بالنظر إلى ذاتها قد تكون واجبة لغيرها، أي أن العقل عند ملاحظة غيرها قد لا ينفك عن إثباتها فيحكم بوجوبها لا لذاتها بل لغيرها. وكذلك فإن بعض الأمور الممكنة لذاتها قد تكون مستحيلة لغيرها لأن العقل حين يلاحظ أمرًا خارجًا عنها فإنه لا ينفك عن نفيها، فيحيلها لا لذاتها بل لغيرها. أما المستحيل لذاته فلا يجب ولا يمكن لغيره أبدًا بأي حال من الأحوال، وكذلك الواجب لذاته فإنه لا يمكن ولا يستحيل لغيره أبدًا. وأخيرًا فإن هذه الأحكام لا تنقلب لذاتها أبدًا، أي أن المستحيل لذاته لا يمكن أن ينقلب لذاته واجبًا أو جائزًا، وكذلك الكلام في الواجب لذاته والجائز لذاته، فلا يمكن أن ينقلب أي منهما لذاته ليستحق حكمًا عقليًّا آخر. وهذا هو المقصود من قول المشايخ: (انقلاب الأحكام العقلية محال) . وهذا ما أردنا توضيحه هنا بخصوص الأحكام العقلية. نهاية الفصل.

إذا اتضح معنى الأحكام عندك أيها القارئ فلن يصعب عليك بعد ذلك أن تحكم بأن تعذيب المطيع وتنعيم العاصي أمران بالنظر إلى ذاتيهما جائزان عقلًا، ولكنك عند ملاحظة الشرع ووعد الله سبحانه بالجنة للمؤمنين وبالنار للكفار يحكم عقلك باستحالتهما لا لذاتيهما بل لغيرهما، وغيرهما هذا هو العلم باستحالة وقوعهما المأخوذ من خبر الصادق القطعي. وكذلك فإن التكليف بما لا يطاق أمر جائز عقلًا بالنظر إلى ذاته، وإلا لما صح في العقول تصوره بل إن كل واحد منا يستطيع أن يكلف غيره بما لا يطاق؛ فالحكم بجوازه عقلًا أمر يختلف عن وقوعه أو عدم وقوعه في الشاهد، كما يختلف عن أنه هل هو ممتنع الوقوع لغيره أم لا. وليعلم خليفات بأن الآيتين الكريمتين إن سلّم أنهما تدلان على عدم وقوع التكليف بالمحال فلا تدلان أبدًا على استحالة وقوعه. وليرجع من شاء إلى التفاسير، ويتأمل المعنى الذي نفته الآيتان ليدرك معنى ما نقول. وبهذا الكلام بانَ المراد من قول الأشعرية إجمالًا، وهو كاف لأذكياء القلوب في الرد على الشبهة الواردة على أهل السنة. ومع ذلك فإننا سنبحث في الشبهة وإجابتها أكثر، لما أنه قد كثر تشدق الشيعة بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت