فهرس الكتاب

الصفحة 3854 من 4557

والجواب عن هذا أنه من أين يثبت أن قائل هذا القول عمر ؟ مع أنه قد وقع في أكثر الروايات (( قالوا ) )بصيغة الجمع (( استفهموه ) )على طريق الإنكار ، فإن النبي لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون انه ( ما خط قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه ( لقوله تعالى ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخط بيمينك ( ولذا قالوا فاسئلوه . وتحقيق ذلك أن الهجر في اللغة هو أختلاط الكلام بوجه غير مفهم ، وهو على قسمين: قسم لا نزاع لحد في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة ، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا ( كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته ( .

والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشى العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر . وهذا القسم وإن كان ناشئًا من العوارض البدنية ولكن قد أختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء ، فجوزه بعضهم قياسًا على النوم ، ومنعه آخرون ، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول يعنى ان هذا الكلام خلاف عادته ( فلعنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته فلا إشكال .

الثالث من وجوه الطعن أنه رفع الصوت وتنازع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى

( يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم .

والجواب أنه من أين يثبت أن عمر أول من رفع الصوت ؟ وعلى تقديره فرفع صوته إنما كان على صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه في الآية ، والأول جائز والآية تدل عليه حيث قال كجهر بعضكم لبعض ، وقوله ( في إحدى الروايات(( قوما عني ) )من قبيل قلة الصبر العارضة للمريض ، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره ، وما يصدر من المريض في حق أحد لا يكون محلًا للطعن عليه ، مع أن الخطاب كان لجميع الحاضرين المجوزين والمانعين .

الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة ، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون ، ووبال جميع ذلك على عمر .

والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر . وقوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ( الاية تدل على عدم الحدوث ، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه ، وإلا فلا يتصور منه ( أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط ، مع أن زمن نبوته أمتد ثلاثًا وعشرين سنة ، وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر ، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر ، فإنه ( قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين . فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمرًا دينيًا فلم قال(( لن تضلوا بعدي ) )؟ قلنا: للضلال معان ( 1 ) ، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب ، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم ، وتجهيز جيش أسامة منه ، لا الضلالة والغواية عن الدين . فقد تبين لك بطلان ما طعنوا به ، وأظهر لك فساده وقبيح كذبه . والحمد لله رب العالمين ( 2 ) .

ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء ، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك !

والجواب أن هذه القصة محض هذيان ، وزور من القول وبهتان . ولذا قد انكر صحتها أكثر الإمامية ، أن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية ، مع أن فعل عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم المؤمنين عائشة الصديقة ، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على حفظ الأنتظام في أمور الدنيا والدين:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

ومنها أن عمر أنكر موت الرسول صلى الله عليه وسلم وحلف أنه لم يمت ، حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى ( إنك ميت وإنهم ميتون ( .

والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له ( حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشئ ، وكثيرًا ما يحصل الذهول بسبب تفاقم المصائب وتراكم الشدائد ، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية ألا ترى أن يوشع - مع كونه نبيًا معصومًا - نسى أن يخبر موسى بفقد الحوت مع المكتل ، بل إن موسى ( - مع كونه من أولى العزم - قد نسى معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات ، وقال تعالى في حق آدم ( فنسى ولم نجد له عزمًا ( . وقد روى أبو جعفر الطوسي عن عبدالله الحلبي أن الإمام أبا عبدالله عليه السلام كان يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو(( بسم الله وبالله ، وصلى الله على محمد وآله وسلم ) )فأى ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا الامر العظيم ، وأى طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه ( ؟ فتبًا لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم شياطين أمثاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت