فهرس الكتاب

الصفحة 3889 من 4557

... إلى أن قال: ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة -أولهم وآخرهم- أنه قاتل المرتدين، وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة، بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، وكانوا فيما يقال نحو مائة ألف، والحنفية أم محمد بن الحنفية سَرّية علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... سورة المائدة، آية (41) .

إذا كان المرتدون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم ويطأمن ذلك السبي.

... وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون، ولم

يكونوا يؤدونها، وقالوا: لا نؤديها إليك، بل امتنعوا من أدائها بالكلية، فقاتلهم على هذا، لم يقاتلهم ليؤدّوها إليه، وأتباع الصديق كأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، وغيرهما يقولون: إذا قالوا: نحن نؤديها ولا ندفعها إلى الإمام، لم يجز قتالهم لعلمهم بأن الصديق إنما قاتل من امتنع عن أدائها جملة، لامن قال: أنا أؤدّيها بنفسي. ولو عدّ هذا المفتري الرافضي من المتخلفين عن بيعة أبي بكر المجوس، واليهود، والنصارى، لكان ذلك من جنس عده لبني حنيفة، بل كفر بني حنيفة من بعض الوجوه كان أعظم من كفر اليهود، والنصارى، والمجوس، فإن أولئك كفار ملِّيُّون وهؤلاء مرتدون، وأولئك يقرون بالجزية، وهؤلاء لا يقرون بالجزية، وأولئك لهم كتاب أو شبه كتاب، وهؤلاء اتبعوا مفتريًا كذابًا، لكن كان مؤذنه يقول: أشهد أن محمدًا ومسيلمة رسولا الله، وكانوا يجعلون محمدًا ومسيلمة سواء». (1)

... فتبين بهذا أن الذين قاتلهم أبو بكر كانوا قسمين:

... قسم منهم: قد ارتدوا بالكلية واتبعوا مسيلمة الكذاب، وهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... منهاج السنة 8/318-319-324.

بنو حنيفة، وهؤلاء لا يشك مسلم في كفرهم ووجوب قتالهم.

... وقسم آخر: امتنعوا من تأدية الزكاة مطلقًا فلم يؤدوها بأنفسهم ولا دفعوها إلى الخليفة، فكان قتالهم واجبًا مأمورًا به من الله ورسوله قال تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} (1) فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله) . (2)

... فجعل شهادة ألاّ إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، شرطًا لعصمة الدماء والأموال. وأولئك الممتنعون عن تأدية الزكاة لم يتحقق فيهم الشرط، فقاتلهم أبو بكر -(- وكان معه وعلى رأيه سائر الصحابة الذين باشروا قتالهم بأنفسهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... سورة التوبة آية 5.

(2) ... أخرجه البخاري في: (كتاب الإيمان، باب {فإن تابوا وأقاموا الصلاة ... وآتوا ... الزكاة فخلوا سبيلهم} ، فتح الباري 1/75، ح25، ومسلم:(كتاب الإيمان، ... باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله) ، 1/53، ... ح22.

... وأما دعوى الرافضي: أن عمر خالف في ذلك أبا بكر فكذب صريح على عمر -(- أما قوم مسيلمة فلم يخالف في قتالهم أحد من

الصحابة، لا عمر ولا غيره، ولم يشكوا في كفرهم وردتهم، وأما مانعوا الزكاة: فقد رأى عمر في بداية الأمر عدم قتالهم، لكنه ما لبث أن رجع عن رأيه إلى قول أبي بكر بعد أن تبين له الحق في ذلك.

... ورجوع عمر عن رأيه وموافقة أبي بكر، أمر مشهور في كتب السنة والتاريخ لا يخفى على أحد من أهل العلم، ولم ينكره أحد منهم، وهو ثابت في الصحيحين:

... فعن أبي هريرة - (-:(أن عمر قال لأبي بكر -رضي الله عنهما- كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة، حق المال، والله لو منعوني عناقًا، كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) . (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ... أخرجه البخاري: (كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى قبول ... الفرائض...) فتح الباري 12/275، ومسلم: (كتاب الإيمان، باب الأمر ... بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) ، 1/51، ح20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت