إن الاتصال الجنسي هناك نداء الجسد ، ويكاد يكون معزولًا عن الخلق والروح ، والعبادة والإيمان.
أما نحن المسلمون فنربط العلاقة الجنسية بتعاليم الدين ربطًا محكمًا ، ونضبطها داخل إطار من التصون والاستعفاف ، قال تعالى في وصف المؤمنين: (والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فألئك هم العادون) .
هناك متنفس واحد للرغبة الجنسية هو العقد الشرعي الذي ارتضاه الله ، وهو اليوم بيت الزوجية وحده.
لا ملام فيما يقع داخله ، إنما الملام فنون الإثارة والتذوق التي لجأ إليها الإباحيون ، ودفعوا إليها الذكور والإناث دفعًا خبيثًا ، كالاختلاط المطلق ، والرقص المنفرد والمزدوج ، والروايات التي تقرأ أو تمثل بما تحوي من تبذل وخلاعة .. وأخيرًا اللقاء الحيواني الذي لا غرض منه إلا قضاء الوطر ، وإرواء الطباع المستثارة ..
المجتمع الإسلامي مضاد لهذا كله ، وهو يمقت الزنا وكل مقدماته ، وقد أرصد عقوبة صارمة للزناة تدور بين الجلد ، والقتل إذا كان المجرمان متزوجين.
ولا شك أن مائة جلدة للبكر ، والإعدام رجمًا للثيب عقوبات شديدة ، بيد أنها عادلة ..
لكن الذي يلفت النظر في هذه العقوبات ضروب الحيطة البالغة التي اتخذها الإسلام لتنفيذها.
لا بد من أربعة شهداء يرون الجريمة رأي العين .. والمألوف أن هذه الجريمة ترتكب في خفاء غالبًا ، وأن توفر أربعة أشخاص لشهودها يندر وقوعه ، ومن الناحية التاريخية ندرك أن التطبيق لحد الزنا لم يتم بالبينة المطلوبة إلا قليلًا جدًا ، حتى إن بعضهم ظن الحد إرهابًا فقط.
ونحن نعترف بأن الإسلام شدد في إثبات جريمة الزنا ، وأنه قصد إلى هذا التشديد قصدًا ، لما ينشأ عن الإثبات من عواقب اجتماعية غليظة واسعة ، إذ أن جريمة الزنا تتعدى أصحابها المباشرين إلى أسرتهما معًا ، وتسبب مآسي مادية وأدبية لأفراد الأسرتين كلتيهما .. فلا جرم أن الإسلام يستوثق ويضاعف دلائل الإثبات.
والمجال واسع لتطبيق الحد في البيئات التي كثر فيها الخبث والتبجح .. ففي أقطار أوربا وأمريكا ، وفي البلدان التي قلدتها تحول ناس كثيرون إلى قطعان من الدواب ، تقترف الفاحشة في الحدائق والطرق دون محاذرة.
وجلد هؤلاء أو قتلهم ميسور لسهولة الاستدلال على مناكرهم.
لكن الإسلام ? بيقين ? لم يعتمد على الحد جلدًا كان أو قتلًا لنشر العفة في المجتمع ، بل اعتمد على تأسيس اليقين في القلوب ، وبناء الضمائر التي ترقب الله خفية ، وتأبى معصيته ولو أتيحت لها.
ثم قام الإسلام بعد هذا المهاد العظيم ، فأكد أوضاعًا تضمن ألا يكون هناك انحراف..
منها: إشاعة الملابس السائغة المحتشمة التي تكرم جسد المرأة وتحميه.
ومنها: التوصية بغض البصر ومنع العيون الخائنة من البحث عن العورات.
ومنها: تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة ، سدًا للذريعة وطهارة للقلوب.
ومنها: المباعدة بين أنفاس الرجال والنساء ، حتى في المساجد الجامعة ، فإن للرجال صفوفًا مستقلة وللنساء صفوفًا خاصة بهن.
ومنها: رفض ازدواج التعليم ، فلكل من الجنسين مدارسه وجامعاته.
ومنها: تيسير الزواج وجعله ظاهرة اجتماعية طبيعية ، لا تكلف معها ولا عنت.
والواقع أن البون شاسع بين السلوك الإسلامي في الصلات الجنسية وبين السلوك المنحل المستورد من هنا وهناك ، وقد انتهى السلوك الأجنبي باعتبار الزنا حاجة بدنية لا يحرمها القانون ، ما دامت محفوفة بالتراضي ، كما انتهى باستقبال الألوف المؤلفة من اللقطاء على أنهم أناس طبيعيون لا ينبغي التساؤل من أين جاؤوا؟
ونحن المسلمون نرفض بحسم هذه النتائج ، ونعد الزنا فاحشة موبقة ، ونوصد كل الأبواب المفضية إليها ، ونعاقب على وقوعها بالجلد والقتل ، ونرى أن الأسرة وحدها هي الملتقى المشروع لأشراف الناس.
وكما يهتم الإسلام بحفظ الحرمات ، يأبى التعرض لها ويعاقب على تجريحها.
وفي الناس من يبسط لسانه بالأذى في الآخرين ولا يبالي أن ينسب إليهم الإفك ، ويشيع عنهم الخنا.
ولا يجوز ترك هؤلاء الهجامين يلغون في الأعراض ، ويهينون ذوي المروءات ، وقد طالبهم الإسلام أن يأتوا على ما يقولون بأربعة شهداء ، وإلا جلدوا ثمانين جلدة (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) .
وضرب المفترين هذا الحد ، ثم إسقاط كرامتهم أبد الدهر ، بردّ شهادتهم وعدها كذبًا ، هو جزاء شديد بلا ريب ، إلا أنه عادل ومزعج عن الاتهام بالباطل.
إن النساء الشريفات ينبغي أن يحطن بشتى الضمانات ليعشن آمنات هادئات.
وثم أمر نلفت إليه النظر لدقته وروعته ، أن الدين يحب أن تموت الخطيئة مكانها ، فلا تلوكها الألسن وتبعثر نبأها في كل مكان.
فلو فرضنا أن شخصًا وحده رأى جريمة جنسية ، فلا يجوز له أن يحدث بها أحدًا ، من يدري؟ ربما كان هذا الكتمان معونة على توبة وطهر.