فهرس الكتاب

الصفحة 3963 من 4557

ومنها أن أبا بكر ما كان يعلم بعض المسائل الشرعية ، فقد أمر بقطع يد السارق اليسرى ، واحرق لوطيًا ، لم يعلم مسألة الجدة والكلالة ، فلا يكون لائقًا للإمامة غذ العلم بالأحكام الشرعية من شروط الإمامة بإجماع الفريقين . الجواب عن الأمر الأول أن قطع يد السارق اليسرى في السرقة الثالثة موافق للحكم الشرعي . فقد روى الإمام محيى السنة البغوى في ( شرح السنة ) عن ابي هريرة قال: قال رسول الله في حق السارق (( إن سرق فأقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ، ثم إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فأقطعوا رجله ) ). قال البغوي: أتفق أهل العلم على أن السارق أول مرة تقطع يده اليمنى ، ثم إذا سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى ، ثم إذا سرق ثالثًا تقطع يده اليسرى بناء على قول الأكثر ، ثم إذا سرق رابعًا تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس . والذى قطع أبو بكر يده اليسر كان في المرة الثالثة فحكمه موافق لحكمة . والجواب عن الثاني أن الصديق لم يحرق أحدًا في حال الحياة ، لأن الرواية الصحيحة إنما جاءت عن سويد عن أبي ذر أنه امر بلوطي فضربت عنقه ثم أمر به فأحرق ( 1 ) ، وإحراق الميت لعبرة الناس جائز كالصلب ، ولذلك فإن الميت لا تعذيب له بمثل هذه الأمور لعدم الحياة . وعلى فرض تسليم روايتهم فالذى يجيبون به عن إحراق علي بعض الزنادقة فهو جوابنا ، وقد ثبت ذلك في كتبهم ، فقد روى المرتضى الملقب عندهم بعلم الهدي في كتاب ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) أن عليًا أحرق رجلًا أتى غلامًا في دبره . والجواب عن الثالث أن هذا الطعن لا يوجب إلزام أهل السنة ، إذ العلم بجميع الأحكام بالفعل ليس شرطًا في الإمامة عندهم ، بل الإجتهاد . ولما لم تكن النصوص مدونه في زمنه ولا روايات الأحاديث مشهورة في ايام خلافته استفسر من الصحابة . قال في ( شرح التجريد ) أما مسألة الجدة والكلالة فليست بدعًا من المجتهدين ، إذ يبحثون عن مدارك الأحكام ويسألون من أحاط بها علمًا ، ولهذا رجع علي في بيع أمهات الأولاد إلى قول عمر ، وذلك لا يدل على عدم علمه ، بل هذا التفحص والتحقيق يدل على أن أبا بكر الصديق كان يراعي في أحكام الدين كمال الاحتياط ويعمل في قواعد الشريعة بشرائط الاهتمام التام . ولهذا لما أظهر المغيرة مسألة الجدة سأله: هل معك غيرك ؟ وإلا فليس التعدد شرطًا في

( 1 ) أى وهو ميت بعد ان ضربت عنقه .

الرواية ، فهذا الأمر في الحقيقة منقبه عظمى له . وقد روى عبدالله بن بشر أن عليًا سئل عن مسألة فقال (( لا علم لي بها ) ). جازى الله تعالى هذه الفرقة الضالة بعدله حيث يجعلون المنقبة منقصة .

فرصاص من احببته ذهب كما ذهب الذى لم ترض عنه رصاص

المطاعن الثانية في حق الفروق رضي الله عنه .

فمنها وهو عمدة مطاعنهم ما روى البخاري ( 1 ) ومسلم ( 2 ) عن ابن عباس أنه قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحابة الحاضرين في حجرته المباركة: (( أئتوني بكتف أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدا ) )فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا: ماله ؟ أهجر ؟ أستفهموه . فقال: (( ذرونى ، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ) )فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم .

والثالثة إما أن سكت عنها ، وإما أن قالها فنسيتها ( 3 ) . وهذه رواية أهل السنة الصحيحة وزعموا أنه يستفاد منها الطعن على عمر بوجوه: الأول أنه رد قول النبي وأقواله كلها وحي لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ورد الوحي كفر لقوله تعالى

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والجواب على فرض تسليم أن هذا القول صدر من الفاروق فقط أنه لم يرد قوله بل قصد راحته ورفع الحرج عنه في حال شدة المرض ، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض ، مع عدم كون ذلك الآمر ضروريًا ، لم يخاطب بذلك الرسول بل خاطب الحاضرين تأدبًا وأثبت الاستغناء عن ذلك بقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا وقد نزلت الآية قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر ، وقد أنسد باب النسخ والتبديل والزيادة والنقصان في الدين ، فيتمنع إحداث شئ ، وتأكيد المتقدم مستغني عنه لا سيما في تلك الحالة . ولو كان بيان المصلحة رد الوحي وقول الرسول للزم ذلك على الأمير أيضًا ، فقد روى البخاري الذى هو أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن بطرق متعددة أن الرسول ذهب إلى بيت الأمير والبتول ليلة وايقظها من مضجعها وأمرهما بصلاة التهجد مؤكدًا ، فقال الأمير: والله ما نصلى إلا ما كتب الله علينا أي

( 1 ) في كتاب العلم الباب 39 ، وفي كتاب الجزية والموادعة الباب 6 ، وفي كتاب المغازى الباب 83 ، وفي كتاب المرضى والطب الباب 17 ، وفي كتاب الاعتصام الكتاب والسنة الباب 26 .

( 2 ) في كتاب الوصية ، الحديث 22 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت