فهرس الكتاب

الصفحة 3965 من 4557

الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة أنه أتلف حق الأمة ، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون ، ووبال جميع ذلك على عمر . والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر . وقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الاية تدل على عدم الحدوث ، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه ، وإلا فلا يتصور منه أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط ، مع أن زمن نبوته أمتد ثلاثًا وعشرين سنة ، وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر ، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر ، فإنه قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين . فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمرًا دينيًا فلم قال (( لن تضلوا بعدي ) )؟ قلنا: للضلال معان ( 1 ) ، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب ، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم ، وتجهيز جيش أسامة منه ، لا الضلالة والغواية عن الدين . فقد تبين لك بطلان ما

( 1 ) منها قوله عز وجل للهادي الأعظم ووجدك ضالًا فهدى .

طعنوا به ، وأظهر لك فساده وقبيح كذبه . والحمد لله رب العالمين ( 1 ) .

ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء ، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك ! والجواب أن هذه القصة محض هذيان ، وزور من القول وبهتان . ولذا قد انكر صحتها أكثر الإمامية ، أن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية ، مع أن فعل عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم المؤمنين عائشة الصديقة ، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على حفظ الأنتظام في أمور الدنيا والدين:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ومنها أن عمر أنكر موت الرسول وحلف أنه لم يمت ، حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون . والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشئ ، وكثيرًا ما يحصل الذهول بسبب تفاقم المصائب وتراكم الشدائد ، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية ألا ترى أن يوشع - مع كونه نبيًا معصومًا - نسى أن يخبر موسى بفقد الحوت مع المكتل ، بل إن موسى - مع كونه من أولى العزم - قد نسى معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات ، وقال تعالى في حق آدم فنسى ولم نجد له عزمًا يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو (( بسم الله وبالله ، وصلى الله على محمد وآله وسلم ) )فأى ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا الامر العظيم ، وأى طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه ؟ فتبًا لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم شياطين أمثاله .

ومنها أن عمر كان لا يعلم بعض المسائل الشرعية التى هي شرط في الإمامة والخلافة كأمره برجم الحامل من الزنا ، فرده الأمير وقال له: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها ، فندم حينئذ وقال: لولا علي لهلك عمر . وكما أراد رجم أمرأة مجنونة فرده الأمير بقوله (( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون

( 1 ) وقد نبه السيد الحاج عمر نائب القضاء للدولة العثمانية في مدينة بغداد عند طبع هذا المختصر في الهند سنة 1315 على أن جميع روايات هذا الحديث مروية عن ابن عباس ، وأنه كان عند وفاة النبي صغير السن ، ولذلك نقلت عنه الواقعة بألفاظ مختلفة . وأن عمر كان يعلم أن العباس كان له هوى في أن يؤثر عن النبي قول في أستخلافه أو أستخلاف يصرح النبي باسم أبي بكر فيدخل من ذلك في أبي بكر دل عليه تقديمه للصلاة بالناس . فخشى عمر أن يصرح النبي باسم ابي بكر فيدخل من ذلك شئ من الحزن على نفس العباس ، فأراد أن يبقى هذا الآمر لتقدير الله عز وجل ، والذى يريده الله لهذه الأمة فلن يكون غيره . وهذا ما وقع بالفعل والحمد لله على ما كان ، وقد كان به الخير كله لهذا الدين وأهله . ورضي الله عن الخلفاء الراشدين كلهم وعن صحابة رسول الله أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت