فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
... وهذا مما يدل أيضًا على مبايعته لعلي، وأنه إنما ندم على عدم خروجه مع علي للقتال فإنه كان ممن اعتزل الفتنة، فلم يقاتل مع أحد، ولو كان قد ترك البيعة لكان ندمه على ذلك أكبر وأعظم ولصرح به. فإن لزوم البيعة والدخول فيما دخل الناس فيه واجب، والتخلف عنه متوعد عليه برواية ابن عمر نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) . (2)
... وهذا بخلاف الخروج للقتال مع علي، فإنه مختلف فيه بين الصحابة وقد اعتزله عامة الصحابة، فكيف يتصور أن يندم ابن عمر على ترك هذا القتال، ولا يندم على ترك البيعة لو كان تاركًا لها، مع ما فيه من الوعيد الشديد.
... وبهذا كله يظهر كذب الرافضي فيما ادعاه، من ترك ابن عمر البيعة لعلي -رضي الله عنهما- حيث ثبت أنه كان من المبايعين له بل المقربين منه، الذين كان يحرص على توليتهم، والاستعانة بهم، لما رأى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع بحاشية كتاب الإصابة لابن حجر ... 6/326.
(2) ... أخرجه مسلم: (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين..) ... 3/1478، ح1851.
فيه من صدق الولاء والنصح له، فرضي الله عنهما وسائر الصحابة والقرابة، وقاتل الله المفرقين بينهم الطاعنين عليهم بما ليس فيهم من المارقين والملحدين.
... وأما قول الرافضي ضمن طعنه في ابن عمر: «وكان يحدث أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم لا تفاضل والناس بعد ذلك سواسية» ، ثم قال: «ويعني هذا أن ابن عمر جعل الإمام عليًا من سوقة الناس، كأي شخص ليس له فضل» .
... فجوابه: أن هذا الأثر صحيح مشهور عن ابن عمر، وقد تقدم ذكره عند ذكر فضائل أبي بكر، لكن الرافضي زاد فيه ماليس منه، وهو قوله: «والناس بعد ذلك سواسية» ثم طعن بذلك على ابن عمر
-رضي الله عنهما- وزعم أنه يرى مساواة علي وعامة الناس في الفضل، وهذه الزيادة لم يقلها ابن عمر، ولم تثبت عنه في شيء من طرق هذا الأثر.
... فإن هذا الأثر رواه البخاري عن ابن عمر من طريقين:
... الأولى: من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عنه أنه قال: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان بن عفان -(-».(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي ... ، فتح الباري 7/16، ح3655.
... والثانية: من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عنه أنه قال: (كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم) (1) ، وقد أخرجه من هذه الطريق أبو داود في سننه. (2)
... كما أخرج أبو داود هذا الأثر من طريق ثالثة عن سالم ابن عبدالله عن ابن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان -(-) . (3)
... فهذه طرق الأثر الصحيحة المشهورة، لم ترد فيها تلك الزيادة التي زعم الرافضي، وحيث إنه لم يعز هذه الزيادة لمصدر، فلا عبرة لها ولا بما علقه عليها من مطاعن لا أصل لها.
... وأما إن زعم الرافضي أن ماذكره هو مفهوم ما جاء في الأثر: (ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم) رُدّ بأن هذا الفهم غير مسلم، فترك المفاضلة شيء، واعتقاد المساواة شيء آخر، والثابت عن ابن عمر هو ترك المفاضلة بين الصحابة بعد أولئك الثلاثة، لا أنه كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تقدم تخريجه ص 488.
(2) ... سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل) 5/24-25، ح4627.
(3) ... سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل) 5/26، ح4628.
يعتقد تساوي الباقين في الفضل، فإن هذا لم يقله ولا يحتمله لفظه بوجه، ناهيك عن دعوى الرافضي أنه يعتقد تساوي علي في الفضل مع أي شخص عامي، لا فضل له ولا صحبة، فإن هذا من أبطل الباطل الذي لا يقول به أقل الناس علمًا وفهمًا، فكيف بالصحابي الجليل ابن عمر الذي كان يعرف لعلي فضله وقدره بين أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم .
... وقد نص على هذا العلماء في شرح الحديث: قطعًا لهذه الشبهة.
... قال الخطابي: «وجه ذلك والله أعلم أنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان علي رضوان الله عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي كرم الله وجهه، ولا تأخيره ودفعه عن الفضيلة بعد عثمان، وفضله مشهور، لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة» . (1)