فهرس الكتاب

الصفحة 4066 من 4557

ب ـ الثابت في السيرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستخلف في كل مرة يغزو أو يسافر فيها ولكنه لم يقل لأحد ممن استخلفه أنه منه بمنزلة هارون من موسى، وسبب ذلك أن كل من استخلفه لم يظن أن في استخلافه نوع نقص، فلم يحتج أن يقول له هذه الجملة، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ هذه الجملة لا تبين اختصاصه بها، ومن ادعى غير ذلك فعليه الدليل، وليس في الحديث ما يدل على التخصيص وأن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الذي لعن شارب الخمر (( لا تلعنوه فولله ما علمت أنه يحب الله ورسوله ) ) (18) ، فلا يقول عاقل أن غيره لا يحب الله ورسوله، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك لسبب، وهو ان ينهى الساب عن لعنه كما كان سبب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه ذلك لكي يرضى ولا يتوهم النقص في استخلافه.

ت ـ قلت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خص عليًا بقوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى لأنه أعتقد أن استخلافه يعد نقصًا، ومعنى ذلك أن عليّ لو لم يعترض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما خصه بذلك، وهذا أعظم دليل على أن الحديث ليس دليلًا على إمامة عليّ، وأنه المستحق للخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يعتقد ذلك إذن إلا من هو أكثر الناس جهلًا وأقلّهم عقلًا.

ث ـ أما قول التيجاني أن هذا الحديث ( فيه من اختصاص أمير المؤمنين عليّ بالوزارة والوصاية والخلافة كما كان هارون وزيرًا ووصيًا وخليفة موسى في غيابه عندما ذهب لميقات ربه ) .

قلت: ليس في الحديث أي اختصاص لعليّ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استخلف على المدينة غيره، فليس مجرد الاستخلاف على المدينة يجعل المستخلف خليفة، إضافة إلى أن استخلاف عليّ على المدينة لم يكن الأخير فقد استخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة في حجة الوداع غير عليّ، فإذا كان مجرد الاستخلاف يعني الاستمرارية فغير عليّ أولى بذلك إذًا، ولكن الاختصاص الحقيقي هو الذي يختص به شخصًا واحدًا، كما اختص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج، واختصه أيضًا بإمامة الصلاة وحده، ولم يكن اختصاصه بسبب قرابة أو لأجل استرضائه، كما كان مع عليّ، بل اختصاص مطلق من أجل الفضيلة والاستحقاق.

جـ ـ وعلى فرض التسليم باختصاص عليّ بالوصاية والخلافة، فإن هذا الاختصاص هو في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يستمر إلى ما بعد وفاته لأن (( هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه( أي هارون ) مات قبل موسى باتفاق )) (19) ، أوليس التيجاني يقول ( أن منزلة الإمام عليّ كمنزلة هارون فهو صورة طبق الأصل ) فها هي الصورة الحقيقية لهارون من الاستخلاف، وصورة عليّ أصبحت طبق الأصل منه أي أن الاستخلاف هو في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفقط، ومن فمك ندينك يا تيجاني.

وفي ضوء ما سبق يتضح لطالب الحق أن هذا الحديث لا يدل من قريب ولا من بعيد على أن عليًا خليفة الرسول في حياته فضلًا على ان يكون بعد مماته.

وأما الحديث الثالث الذي يحتج به التيجاني وهو (( حديث( من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار ) ـ ثم يعلق عليه بقوله ـ وهذا الحديث وحده كاف لردّ مزاعم تقديم أبي بكر وعمر وعثمان على من نصّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ص) وليًا للمؤمنين من بعده، ولا عبرة بمن أوّل الحديث إلى منعى المحب والنصير لصرفه عن معناه الأصلي الذي قصده الرسول وذلك حفاظًا على كرامة الصحابة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ص) عندما قام خطيبًا في ذلك الحر الشديد ( قال ألستم تشهدون بأني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) قالوا بلى يارسول الله فقال عندئذ ( فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه... ) وهذا نص صريح في استخلافه على أمته، ولا يمكن للعاقل المنصف العادل إلاّ قبول هذا المعنى ورفض تأويل البعض المتكلف والحفاظ على كرامة الرسول قبل الحفاظ على كرامة الصحابة لأن في تأويلهم هذا استخفاف واستهزاء بحكمة الرسول الذي يجمع حشود الناس فيالحر الهجير الذي لا يطاق ليقول لهم بأنّ علي هو محب المؤمنين وناصرهم. وبماذا يفسر هؤلاء الذين يؤولون النصوص حفاظًا على كرامة كبرائهم وساداتهم موكب التهنئة الذي عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم ص). وبدأ بزوجات أمهات المؤمنين وجاء أبو بكر وعمر يقولان ( بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وامسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ) والواقع والتاريخ يشهد أن المتأولين لكاذبون فويل لهم ممّا كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكتبون قال تعالى { وان فريقًا منهم ليكتمون الحقّ وهم يعلمون } )) (20) ، فأقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت