فهرس الكتاب

الصفحة 4238 من 4557

وبعد إيراد ابن القيم لهذه النصوص نقلًا عن شيخه وشيخ الإسلام ابن تيمية علق عليها ، مؤكدًا إياها ، فقال:"قلت [ أى ابن القيم ] : وليس في القرآن ما يقتضى أنه لا يُحْكَم إلا بشاهدين ،أو شاهد وامرأتين ، فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النِّصاب ، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به ، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول ، واليمين المردودة ، والمرأة الواحدة ، والنساء المنفردات لا رجل معهن ، وبمعاقد القُمُط (9) ، ووجوه الآجرّ ، وغير ذلك من طرق الحكم التى تُذكر في القرآن..فطرق الحكم شئ ، وطرق حفظ الحقوق شئ آخر ، وليس بينهما تلازم ، فتُحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه ، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه ، ولا خطر على باله.." (10) .

فطرق الإشهاد ، في آية سورة البقرة التى تجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد هى نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الطبيعة الخاصة -.. وليست التشريع الموجه إلى الحاكم القاضى والجامع لطرق الشهادات والبينات.. وهى أيضًا خاصة بدَيْن له مواصفاته وملابساته ، وليست التشريع العام في البينات التى تُظهر العدل فيحكم به القضاة..

* وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد.. أخذ ابن تيمية يعدد حالات البينات والشهادات التى يجوز للقاضى الحاكم الحكم بناء عليها.. فقال:"إنه يجوز للحاكم ? [ القاضى ] ? الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود ، ولم يوجب الله على الحاكم ألا يحكم إلا بشاهدين أصلًا ، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين ، أو بشاهد وامرأتين ، وهذا لا يدل علىأن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك ، بل قد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالشاهد واليمين ، وبالشاهد فقط ، وليس ذلك مخالفًا لكتاب الله عند من فهمه ، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف.. وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان ، وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبارًا ، لا شهادة ، أمر لفظى لا يقدح في الاستدلال ، ولفظ الحديث يردّ قوله ، وأجاز صلى الله عليه وسلم شهادة الشاهد الواحد في قضية السَّلَب (11) ، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر ، واستحلفه ، وهذه القصة [وروايتها في الصحيحين] صريحة في ذلك.. وقد صرح الأصحاب: أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة ، وهو الذى نقله الخِرَقى [334 هجرية 945م ] فى مختصره ،فقال: وتِقبل شهادة الطبيب العدل في الموضحة (12) إذا لم يقدر على طبيبين ، وكذلك البيطار في داء الدابة.." (13) .

* وكما تجوز شهادة الرجل الواحد في غير الحدود.. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود ، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن في الحدود.. وعن ذلك يقول ابن تيمية ، فيما نقله ابن القيم:"وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة في الرضاع ، وقد شهدت على فعل نفسها ، ففى الصحيحين عن عقبة ابن الحارث:"أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب ، فجاءت أَمَةٌ سوداء ، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنى ، قال: فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له ، قال: فكيف ؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما !"."

وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه ، قال: في المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى (14) ، وفى الحمّام يدخله النساء ، فتكون بينهن جراحات.

وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد في شهادة الاستدلال:"تجوز شهادة امرأة واحدة في الحيض والعدة والسقط والحمّام ، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء".

فقال:"تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة ، ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات في غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخَلَف والسلف". وعن عطاء [27-114 هجرية /647 732م ] أنه أجاز شهادة النساء في النكاح. وعن شريح [78 هجرية / 697م ] أنه أجاز شهادة النساء في الطلاق. وقال بعض الناس: تجوز شهادة النساء في الحدود. وقال مهنا: قال لى أحمد بن حنبل: قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها ، وإن كانت يهودية أو نصرانية.." (15) ."

ذلك أن العبرة هنا في الشهادة إنما هى الخبرة والعدالة ، وليست العبرة بجنس الشاهد ذكرًا كان أو أنثى ففى مهن مثل الطب.. والبيطرة.. والترجمة أمام القاضى.. تكون العبرة"بمعرفة أهل الخبرة" (16) .

* بل لقد ذكر ابن تيمية في حديثه عن الإشهاد الذى تحدثت عنه آية سورة البقرة أن نسيان المرأة ، ومن ثم حاجتها إلى أخرى تذكرها (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى(ليس طبعًا ولا جبلة في كل النساء ، وليس حتمًا في كل أنواع الشهادات.. وإنما هو أمر له علاقة بالخبرة والمران ، أى أنه مما يلحقه التطور والتغيير.. وحكى ذلك عنه ابن القيم فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت