فهرس الكتاب

الصفحة 4274 من 4557

إن نص الحديث - كما في الصحيحين -: استوصوا بالنساء ، فإن المرأة خُلقت من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء .

أين أنتم من هذه الوصية بالنساء ؟؟

افتتح الحديث بقوله: استوصوا بالنساء

واختتم الحديث بقوله: فاستوصوا بالنساء

فأين أنتم من هذا ؟؟

ومن الكُتّاب من يَصِم النساء - إما نتيجة جهل أو تجاهل - بأنهن ناقصات عقل ودين على سبيل الإزراء والاحتقار ، وسمعت أحدهم يقول ذلك في مجمع فيه رجال ونساء ثم وصف النساء بضعف العقل ، وزاد الأمر سوءًا أن اعتذر عن قوله بأن هذا هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم ! ثم أورد الحديث: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن . رواه البخاري ومسلم .

وقد بوّب عليه الإمام النووي: باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات .

وهذا القول له جوابان أجاب بهما من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم:

أما الأول:

فهو إجابته صلى الله عليه وسلم على سؤال النساء حين سألنه: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟

فقال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟

قلن: بلى ، قال: فذلك نقصان مِنْ عقلها .

أليس إذا حاضت لم تُصل ولم تَصُم ؟

قلن: بلى .

قال: فذلك من نقصان دينها .والحديث في الصحيحين .

فهذه العلّة التي عللّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم نقصان الدين والعقل ، فلا يجوز العُدول عنها إلى غيرها ، كما لا يجوز تحميل كلامه صلى الله عليه وسلم ما لا يحتمل أو تقويله ما لم يَقُل .

قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية:

فيجب أن يفهم عن الرسول مراده من غير غلو ولا تقصير فلا يحمّل كلامه ما لا يحتمله ، ولا يُقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان ، فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله ، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام ، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول ، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد ، والله المستعان .

[ وأصل الكلام لابن القيم في كتاب الروح ]

أما نقصان الدِّين ؛ فلأنها تمكث أيامًا لا تصوم فيها ولا تصلّي ، وهذا بالنسبة للمرأة يُعدّ كمالًا !

كيف ذلك ؟

من المعلوم أن التي لا تحيض تكون - غالبًا - عقيمًا لا تحمل ولا تلد ؛ وقد جعل الله الدم غذاءً للجنين .

قال ابن القيم: خروج دم الحيض من المرأة هو عين مصلحتها وكمالها ، ولهذا يكون احتباسه لفساد في الطبيعة ونقص فيها . اهـ .

ثم إن نقص الدين ليس مختصا بالمرأة وحدها .

فالإيمان ينقص بالمعصية وبترك الطاعة - كما بوّب عليه الإمام النووي في ترجمة هذا الحديث -

ثم إننا لا نرى الناس يعيبون أصحاب المعاصي الذين يَعملون على إنقاص إيمانهم - بِطَوْعِهم وإرادتهم - عن طريق زيادة معاصيهم وعن طريق التفريط في الطاعات ، ولسنا نراهم يعيبون من تعمّد إذهاب عقله بما يُخامره من خمرةٍ وعشق ونحو ذلك فشارب الخمر - مثلا - إيمانه ناقص ، والمُسبل إزاره في إيمانه نقص ، وكذا المُدخّن ، وغيرهم من أصحاب المعاصي ؛ ومع ذلك لم نسمعهم يومًا من الأيام يقولون عن شارب الخمر: إنه ناقص دين !

بل ربما وُصِف الزاني - الذي يُسافر إلى دول الكفر والعهر لأجل الزنا - بأنه بطل صاحب مغامرات ومقامرات !!

وهذا شيءٌ يُلامون عليه ، بينما لا تُلام المرأة على شيءٍ كَتَبَهُ الله عليها ، ولا يَدَ لها فيه .

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

فتأمل هذه الكلمة الجامعة وهي قوله صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة"فمن لم ينصح لله وللأئمة وللعامّة كان ناقص الدين ، وأنت لو دُعِيْتَ: يا ناقص الدين ؛ لَغَضِبْتَ . اهـ .

وأما نقصان عقل المرأة ؛ فلأن المرأة تغلب عليها العاطفة ورقّة الطبع - الذي هو زينة لها - فشهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل ، وذلك حُكم الله وعذرٌ لها .

ثم إن في هذا الحديث بيان أن المرأة ربما سَبَتْ وسَلَبَتْ عقل الرجل ، وليس أي رجل ، بل الرجل الحازم الذي يستشيره قومه في الملمات ، ويستأنسون برأيه إذا ادلهمّت الخطوب .

وكما قيل:

يَصْرَعْنَ ذا اللبّ حتى لا حراك به *** وهنّ أضعف خلق الله إنسانا

وكما أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل

فإن الرجل أحيانًا يكون على أقل من النصف من شهادة

المرأة ، فقد تُردّ شهادته إذا كان فاسقًا أو كان مُتّهمًا في دينه .

وأما الثاني

من أجوبته عليه الصلاة والسلام

فهو قوله لعائشة - لما حاضت في طريقها للحجّ فعزّاها قائلًا -: هذا شيء كَتَبَه الله على بنات آدم .

وفي رواية: هذا أمرٌ كَتَبَه الله على بنات آدم . رواه البخاري ومسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت