فهرس الكتاب

الصفحة 4299 من 4557

وأبو بكرة رضي الله عنه مع كونه صحابيًا جاوز القنطرة ، إلا أنه يرى بنفسه أنه لم يأتِ بما يُفسِّق ، ولو رأى ذلك لَتَاب منه .

وهو - حقيقة - لم يأتِ بما يُفسِّق .

غاية ما هنالِك أنه أدى شهادة طُلِبت منه ، فلم يقذِف ابتداء ، كما علِمت .

والصحابة قد جاوزوا القنطرة ، والطّعن في الصحابة طَعن فيمن صحِبوا .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

فإن القدح في خير القرون الذين صحِبُوا الرسول صلى الله عليه وسلم قَدْحٌ في الرسول عليه السلام ، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء ، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين ، وأيضا فهؤلاء الذين نَقَلُوا القرآن و الإسلام وشرائع النبي صلى الله عليه وسلم . . اهـ .

فإن مرتبة الصُّحبة كافية في العَدَالَة .

ولذا قيل لهم ما لم يُقَل لغيرهم

ونالوا من شرف المراتب ما لم يَنَلْه غيرهم

فإنه لا يوجد أحد قيل له: اعمل ما شئت فقد غُفِر لك ، سوى أصحاب بدر .

روى البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال ائتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا فإذا نحن بالمرأة فقلنا: اخرجي الكتاب . فقالت: ما معي كتاب ، فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا ؟ قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله إني كنت أمرا مُلصقًا في قريش - قال سفيان كان حليفا لهم - ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتّخِذ فيهم يَدًا يَحْمُون بها قرابتي ، ولم أفعله كُفرا ، ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صَدَق ، فقال عمر: دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق ! فقال: إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: إن الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . رواه الإمام أحمد .

فأنت ترى أن هذا الصحابي فَعَل ما فَعَل ، ولو فَعَله غيره ممن لم يَنَل شرف شهود غزوة بدر ، لربما كان له شأن آخر .

ويُقال مثل ذلك في حق أبي بكرة رضي الله عنه ، فإنه نال شرف الصحبة ، وكفى بهذا الشَّرَف تعديلا وتوثيقًا .

ثم إن أبا بكرة الثقفي له أربعة عشر حديثا في صحيح البخاري !

فلِمَ لم يُطعَن إلا في هذا الحديث ؟

أنا أُخبِرك !

لأنه عارَض أهواء أقوام يُريدون إخراج المرأة !

الشبهة الرابعة:

ذِكر بلقيس ملكة سبأ في القرآن الكريم .

حيث قال القائل: (ويكفينا إشادة القرآن ببلقيس ملكة سبأ وهى امرأة)

والجواب عن هذه الشُّبهة من عدّة أوجه:

الوجه الأول: أن يُقال أين هي الإشادة ؟

أفي نسبتها للضلال والكُفر ؟

كما في قوله تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ}

أم في ذِكر بعثها للرشوة باسم الهدية ؟!

كما في قوله تعالى: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}

وربما يُقصد بالإشادة ما ذُكِر عنها أنها كانت عاقلة حكيمة

وهذا يُجاب عنه في:

الوجه الثاني: أن يُقال إنها كانت كافرة ، فهل إذا أُثني على كافر بِعَدْلٍ أو بِعَقْلٍ يكون في هذا إشادة بِكُفره ؟!

بل وفي نفس القصة: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ) فهل يُمكن أن يُقال: هذا فيه ثناء على العفاريت ! فتُولَّى المناصِب ! وتُحكّم في الناس ؟!!!

الوجه الثالث: أن هذا لو صحّ أن فيه إشادة - مع ما فيه من ذمّ - فليس فيه مستند ولا دليل .

أما لماذا ؟

فلأن هذا من شرع من قبلنا ، وجاء شرعنا بخلافه .

الوجه الرابع:

أن هذا الْمُلك كان لِبلقيس قبل إسلامها ، فإنها لما أسلمت لله رب العالمين تَبِعَتْ سُليمان عليه الصلاة والسلام ، فقد حكى الله عنها أنها قالت: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

فلما أسلمت مع سليمان لم يعُد لها مُلك ، بل صارت تحت حُكم سليمان عليه الصلاة والسلام .

أخيرًا:

إلى كل من خاض في مسألة تولية المرأة للمناصِب ، ومن يُطالِب أن تكون المرأة ( قاضية ) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت