فمحاولة مساواة المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة غير متحققة؛ لأنَّ الفوارق بين النوعين كونًا وقدرًا أولًا، وشرعًا منزلًا ثانيًا، تمنع من ذلك منعًا باتًا ، ولهذا يقول تعالى في محكم التنزيل: {وللرجال عليهنَّ درجة} يعني في الحقوق الزوجية ولوضوح الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه لعن المتشبه من النوعين بالآخر. ولا شك أنَّ سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر لتحطيم هذه الفوارق الفطرية والشرعية التي لا يمكن أن تتحطَّم.
كما نص القرآن على أن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد، في قوله تعالى: { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ...} (البقرة:82) ، فالله الذي خلقهما لا شك أنَّه أعلم بحقيقتهما، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة.
قال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ..} (النساء:32) (وانظر بتوسع:أضواء البيان للشنقيطي5/169)
ومن جميل ما أختم به هذه القضيَّة ما قاله الأديب مصطفى صادق الرافعي ـ رحمه الله ـ للمرأة المسلمة: (احذري تهوُّس الأوربية في طلب المساواة بالرجل ، لقد ساوته في الذهاب إلى الحلاَّق ، ولكنَّ الحلاَّق لم يجد اللحية!) وحي القلم (1/264)
* هل النساء ناقصات عقل ودين ؟
قبل البدء بمناقشة هذه القضيَّة يحسن عرض حديث من أحاديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ في الموضوع ذاته ، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان ، أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النار ، فقالت امرأة جزلة منهنَّ: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ فقال: تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير ، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكنَّ . قالت: يا رسول الله ! وما نقصان العقل والدين؟قال: أمَّا نقصان العقل ؛ فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي ، وتفطر في رمضان ، فهذا نقصان الدين) .
[معنى الجزلة:أي ذات العقل والرأي والوقار ، وتكفرن العشير: أي تنكرنَ فضله]
وقد اختلف كثير من المعاصرين خصوصًا حيال توضيح نقص العقل والدين ، وكان منهم من خضع للروح الغربية ، فسرت في نفسه مظاهر الهزيمة الداخلية ، وبدأ يفسِّر الحديث على حسب ما يفهم ، من خلال الروح الانهزامية الدخيلة ، وبعضهم ادَّعى زورًا على رسول الله بأنَّ مقصده من ذلك الممازحة للنساء اللواتي كان يمازحهن في حديثه هذا ، فكان ذلك من قبيل المباسطة والمداعبة لهنَّ ليس إلاَّ ! وهذا زعمٌ غير لائقٍ في حقِّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو في مقام التبليغ والنصح للأمَّة.
أمَّا الذين هداهم الله ووفقهم لذكر الصواب في هذه القضية فهم السواد الأعظم ـ ولله الحمد ـ من أهل العلم، وقد كانت تفسيراتهم موافقة لمراد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في إيراده لهذا الحديث، أمَّا من حاول المناكفة والجدل في ذلك على غير الفهم الصحيح ، وبخاصَّة من النساء المتحررات من ربقة العبودية لله ، فيحلو لي أن أذكر قصَّة حدثت قبل فترة في مجلس حاشد جمع أكابر أهل العلم والثقافة ؛ حيث إنَّ الشيخ مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ كان في أحد المؤتمرات يحاضر حول بعض قضايا الإسلام ، وبعد أن انتهى من ذلك ، قامت امرأة معترضة عليه وقد كانت تحمل شهادة عالية في أحد التخصصات النادرة ، حيث قالت: أوضح لي يا سيدي كيف قال الرسول: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين..) وأنت ترى بأمِّ عينيك إلى المستويات التي وصلنا لها من التخصصات الصعبة والنادرة ، وسنصل فيما بعد إلى أعلى من ذلك ، فأجابها الشيخ مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ:صدقت ! لكن حين قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) كان بخطابه ذاك يقصد نساء الصحابة أما أنت وأمثالك ؛ فلا عقل ولا دين!!
أمَّا عن تفسيرات العلماء لهذا النص النبوي فقد جاءت على عدة معانٍ مختلفة ، واختلافها من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، ومن ذلك: