فهرس الكتاب

الصفحة 4355 من 4557

وممَّا تجدر الإشارة إليه أنَّ وصف المرأة بهذا الوصف لا يعني ذلك نفيه عن بعض الرجال ، وأنَّهم لا يمكن أن يوصفوا به ، فهناك الكثير من الآيات القرآنية التي نفت العقل عن كبراء القوم ، وعظمائهم من المنافقين والكفار، لتنكبهم صراط الله المستقيم ، وإيثارهم الزائلة الفانية ، على الدائمة الباقية، فهم ناقصو عقول ، ومنعدمو دين ـ عياذا بالله من ذلك ـ

* هل الإسلام يدعو إلى ضرب المرأة وانتهاك كرامتها؟!

والجواب عن ذلك أنَّ الإسلام لمَّا بيَّن حقوق الزوجين ، وما يراعيه كلٌّ منهما في حقِّ الآخر، بيَّن أنَّ المرأة إذا بدأت منها علامات النشوز ، فليكن موقف الزوج تجاهها عادلًا ، فلا تأخذه الأهواء أو النزعات الانفعالية ، فإنَّ هذا موكل لترتيبات الشارع الحكيم ، في علاج تلك المشكلة ، فلا يكون الضرب أو الطلاق أولها ، ولذا كانت مراتب التأديب كما يلي:

1ـ الوعظ بلا هجر ولا ضرب: قال تعالى: (واللاَّتي تخافون نشوزهنَّ فعظوهنَّ...) أي فَيُذَكَّرن بكتاب الله ، وحقوقهنَّ على أزواجهنَّ ، فإن أبت الزوجة ، ولم ينفع معها الوعظ والتذكير ، فينتقل إلى المرتبة الثانية.

2ـ الهجر في المضاجع: قال تعالى: (واهجروهنَّ في المضاجع...) وذلك بأن يولِّيها ظهره في المضجع ، أو ينفرد عنها في فراش يخصه ، كما يجوز له أن يهجرها فترة طويلة ؛ فقد صحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه هجر نساءه شهرًا ، ولهذا جوَّز أهل العلم هجر الزوج لزوجه أكثر من ثلاثة أيام بسبب عذره الشرعي لنشوز المرأة ، وترفعها عنه كما ذكره الإمام الخطابي في معالم السنن ، وغيره من أهل العلم.

وهذا يخص من أحاديث النهي العامة التي تنهى عن هجر المسلم لأخيه المسلم أكثر من ثلاث ، كما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) أخرجه البخاري.

3ـ الضرب: كما قال الله تعالى: (واضربوهنَّ) ولا يكنْ ذلك بداية علاج الداء ، وليكن هو آخره ؛ فإنَّ آخر العلاج الكي، ولذا كان القول الحقُّ من أقوال العلماء أن لا يبدأ الرجل بضرب زوجه بداية نشوزها ، كما هو مذهب الإمام أحمد ، وقول ابن عبَّاس ، وغيرهم كثير من أهل العلم .

ثمَّ إنَّ الضرب للزوجة ، ليس على إطلاقه بل له عدَّة شروط:

أ ـ أن تصرَّ المرأة على النشوز والعصيان.

ب ـ أن يتناسب نوع العقاب مع نوع التقصير.

ج ـ أن يراعي الرجل ، مقصوده من الضرب ، وأنَّه للعلاج والتأديب لا غير ، فينبغي التخفيف منه بقدر الإمكان ، ويتحقق ذلك كما ذكره أهل العلم (باللكزة ونحوها أو بالسواك) ولهذا وصَّى رسول الرحمة محمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أمَّته في حجة الوداع قائلًا: (...اتَّقوا الله في النساء ، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله ، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله ، وإنَّ لكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهنَّ ضربًا غير مبرح) وقد عدَّ الألوسي الضرب غير المبرح بأنَّه (الذي لا يقطع لحمًا ، ولا يكسر عظمًا) روح المعاني (5/562)

ويجب كذلك على من ابتلي بترفع زوجته عنه ، ولم يكن لها علاج إلا الضرب ، بأن يتقي الله في ضربه . قال عطاء: قلت لابن عبَّاس: ما الضرب غير المبرح ؟ قال: السواك ونحوه.ويتجنَّب المواضع المخوفة كالرأس والبطن ، وكذا الوجه ؛ فإنَّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ نهى عن ضرب الوجه نهيًا عامًا، ولذا ذكر المحققون من أهل العلم ، كالنووي بأنَّ الرجل لو ابتلي بضرب زوجه ، وأفضى ذلك إلى تلف بعض أعضائها ، بأنَّ زوجها يجب عليه الغرم ؛ لأنَّه كما قال النووي تبيَّن بأنَّ ذلك منه للإتلاف لا للإصلاح.

وقد أخرج أبو داود من حديث معاوية بن حيدة القشيري ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت: يا رسول الله ! ما حقُّ زوجة أحدنا عليه ؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، أو اكتسبت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبِّح ، ولا تهجر إلاَّ في البيت) أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن الملقن في البدر المنير (8/289) وكذا قال الألباني: (حسن صحيح) في صحيح سنن أبي داود/صـ402.

فهذا هو موقف الإسلام من قضية ضرب المرأة ، وليس كما يمثِّله العلمانيين ، والذين يقولون إنَّ الإسلام يأمر بضرب المرأة وإهانتها ، أو المنهزمون الذين ينفون ذلك عن الإسلام بروح الهزيمة لقلَّة تضلعهم بعلم الشريعة ، واطَّلاعهم على النصوص التي تعرضت لذلك ، آخذين نصَّا مبتسرًا من عدة نصوص من الكتاب والسنة ، مع عدم ذكر سباق النص ولحاقه ، ليتضح المعنى ، وتبين الصورة .

ولا يعني ذلك أنَّ الرجل إذا استخدم هذا العلاج الأخير مع زوجه أنَّه يكرهها ، أو يكنُّ لها حقدًا ؛ كلاَّ...فالرجل قد يضرب ابنه على معصية ارتكبها ، وابنه من أحبِّ الناس إليه ، لكنه فعل ذلك لأجل حبِّه لابنه ، فيكون رجلًا مستقيمًا على دينه ، ومرضيًا عند ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت