إنَّ الفُروق الفسيولوجية (الوظيفية) والتشريحية بين الذكر والأنثى أكثر من أن تُحْصَى وتُعَدُّ.. فَهيَ تَبتدئ بالفروق على مستوي الصِّبْغِيات (الجُسَيمات المُلونة أو الكروموسومات) التي تتحكم في الوراثة.. والتي تَدِقُّ وتَدِقُّ حتى أنَّ ثَخَانَتها تُقاس بالأنجستروم (واحد على بليون من الملميتر) ... وترتفع إلى مستوى الخلايا وكل خلية في جسم الإنسان تُوضِح لك تلك الحقيقة الفاصلة بين الذكورة والأنوثة.. تتجلى الفروق بأوضح ما يكون في نُطْفة الذكر (الحيونات المنوية) ونطفة المرأة (البويضة) ... ثم ترتفع الفروق بعد ذلك في أجهزة الجسم المختلفة من العظام إلى العَضَلات... وتتجلَّى بِوُضوحٍ في اختلاف الأجهزة التناسلية بين الذكر والأنثى... ولا تقتصر الفروق على الجهاز التناسلي وإنما تشمل جميع أجهزة الجسم.. ولكنها تَدِقُّ وتَدِقُّ في بعض الأجهزة وتتضح في أخرى.. وجهاز الغُدَد الصَّمَّاء هو أحد الأجهزة التي تتجلى فيها الفروق كأوضح ما يكون... فهُرْمونات الذُّكورة تختلف عن هُرمونات الأنوثة في تأثيرها اختلافًا كبيرًا رغم أن الفرق الكيماوِيَّ بسيطٌ ويتَمثَّل في زِيادةِ ذَرَّةٍ من الكربون وثلاثة ذراتٍ من الهيدروجين cH3 إلى التركيب الجزئي molecular structure في هرمون الأنوثة..
وهذه ملاحظة أخرى هامة أشار إليها القرآن الكريم"وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ".
فهُرمون الذُّكورة يُساوي هُرمون الأنوثة (مجموعة مثيلية) وكذلك الجهاز التناسلي للرجل يساوي الجهاز التناسلي للمرأة @ أعضاء إضافية.
وفي أثناء تكوين الجنين في مراحله الأولي يكون جنين الذكر مشابهًا في أوَّل الأمر لجنين الأنثى ويَصْعُب التفريق بينهما إلا على مستوى الصِّبغيات (الكروموسومات) ... ولكن سُرْعان ما تتميز منطقة في المخ تُدْعَى تحت المِهاد Hypothalamus لَدَى الجنين الذَّكر عن مثيله الجنين الأنثى.. وهذه الإضافة والزيادة في مُخ جنين الذكر تؤدي إلى الفروق الهائلة فيما بَعْد بين الجهاز التناسلي للذكر والجهاز التناسلى للانثى.. كما يؤدى إلى الفروق الهائلة بين غُدد الذكر الصَّماء وغدد الأنثى وتؤثر هذه الغدد على مختلف أنشطة الجسم وعلى هيكله أيضًا.. ومن ثَمَّ يختلف بِناءُ هيكل الذكر عن بناء هيكل الأنثى كما تختلف الوظائف تبعًا لذلك.. والسبب في تَمَايُز منطقةِ تحت المِهاد من المُخ بين جنين الذكر وجنين الأنثى هو هُرمون التستسرون الذي تُفْرِزُه مَشِيمَةُ الجنين الذكر... ثم تنمو الغُدة التناسلية وتؤثر بالتالي على المنطقة المُخِّية تحت المهاد» (578) .
ومن الغريب حقًا أن هيكل البناء يُصَمَّمُ أساسًا على هيكل الأنثى فإذا وجد صبغ الذكورة (كروموسوم الذكورة) فإنه يُضيف إلى ذلك الكِيان إضافاتٍ تجعل النهاية ذكرًا. أما إذا اختفى هذا الكروموسوم الهامُّ من تركيب البويضة المُلَقَّحة كما يَحْصُل في بعض الحالات النادرة التي تُرِينا قُدرة المولى عزَّ وجَلّ فإنّ النتيجة النهائية هي جسم امرأةٍ وإنْ كانت ناقصة التكوين ففي حالة ترنر Turner Syndrome فإن البويضة المُلَقَّحة تحتوي فقط على كُرومُوسوم x فلا هي أنثى مُحْتوية على xx ولا ذكرٌ محتويةٌ على xy.. فماذا تكون النتيجة؟
تكون النتيجة أنثى غير أنها لا تَحِيض ولا تَحْمَل ولا تَلِد... أما إذا كانت نتيجة التلقيح مثلًا xxy كما يحْصُل في حالة كلينفلتر Kleinfelter Syndrome فإن الطفل المولود يكون ذكرًا رغم وجود صِبغيات الأنوثة بصورةٍ كاملةٍ.. وإنْ كان ذكرًا ضعيفَ الهِمَّة بارِد الشَّهْوة خائرَ العزيمة... وذلك لِتَراكُم صِبغ الأنوثة فيه..
أما إذا زاد صِبْغُ الذُّكورة في البويضة المُلَقَّحَة وصار حاصلها الكروموسومي xyy أي أن بها صِبغين (كروموسومين) كاملين من أصباغ الذكورة فإن النتيجة تكون ذكرًا قويَّ الشكِيمة شديدَ البأْس كثيرَ العُدْوان.. حتى أن الفُحوصات التي أُجْرِيَت لأعْتَى المُجْرِمين في السجون وأشدِّهم بأسًا وإِقدامًا أظْهَرَتْ أنَّ كثيرًا منهم كانوا ممن لديهم زيادةٌ في صِبغ (كروموسوم) الذكورة!!.
ولعَله لو فُحِص الرجال المشهورون في التاريخ بزيادة الشجاعة والإقدام والرجولة والخشونة لَرُبما وجدنا أن ذلك مَرْجِعُه في كثيرٍ من الحالات إلى زيادة صبغ الذكورة y لدى هؤلاء المَوْصُوفين بزيادة جُرْأتهم وإقدامهم سَواءَ كان ذلك في مجال الخير أو في مجال الشر.
والفرق بين رجلٍ وآخر من حيث الإقدام وصفات الرجولة يرجع في بعض الأحيان إلى زيادة هرمون الرجولة لَدى هذا وقِلَّته النِّسْبية لَدى ذاك.