ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة ، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده والإمام الشيخ محمود شلتوت من المُحْدَثين والمعاصرين فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم: قال عن «البينة» ( ) التي يحكم القاضي بناء عليها، والتي وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « البينة على المدعى ، واليمين على المدعى عليه » ( ) إن البينة في الشرع ، اسم لما يبيّن الحق ويظهره ، وهى تارة تكون أربعة شهود ، وتارة ثلاثة ، بالنص في بينة المفلس، وتارة شاهدين ، وشاهد واحد ، وامرأة واحدة ، وتكون نُكولًا ( ) ، ويمينًا، و خمسين يمينًا أو أربعة أيمان ، وتكون شاهد الحال، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: « البينة على المدعى » ، أي عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه ، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له. اهـ فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر ، تقوم بشهادة المرأة الواحدة ، أو أكثر، وفق معيار البينة التي يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضي - ، وبعد ذلك بقليل علق ابن القيم قائلًا: « قلت: وليس في القرآن ما يقتضى أنه لا يُحْكَم إلا بشاهدين ،أو شاهد وامرأتين، فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النِّصاب ، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به ، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول، واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهن وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد. ( ) وقد علل ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين تعدلان شهادة الرجل الواحد، بأن المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات، لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها، كانت شهادتها حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون مساوية لشهادة الرجل.. فقال: « ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدد هى في التحمل ، فأما إذا عقلت المرأة ، وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات ، ولهذا تُقبل شهادتها وحدها في مواضع ، ويُحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين ، وهو قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد » ( ) ونفس هذا المعنى ذكره الإمام محمد عبده، عندما أرجع تميز شهادة الرجال على هذا الحق الذي تحدثت عنه الآية على شهادة النساء ، إلى كون النساء في ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات، ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين، وهو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغير، وليس طبيعة ولا جبلة في جنس النساء على مر العصور، فقال: « تكلم المفسرون في هذا، وجعلوا سببه المزاج ، فقالوا: إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان، وهذا غير متحقق ، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها، فإنها أقوى ذاكرة من الرجل، يعنى أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها » ( ) . ولقد سار الشيخ محمود شلتوت الذي استوعب اجتهادات ابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده مع هذا الطريق، مضيفًا إلى هذه الاجتهادات علمًا آخر عندما لفت النظر إلى تساوى شهادة الرجل في « اللعان » فكتب يقول عن شهادة المرأة وكيف أنها دليل على كمال أهليتها، وذلك على العكس من الفكر المغلوط الذي يحسب موقف الإسلام من هذه القضية انتقاصًا من إنسانيتها.. كتب يقول: إن قول الله سبحانه وتعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان (ليس واردًا في مقام الشهادة التى يقضى بها القاضى ويحكم ، وإنما هو في مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل(الآية) فالمقام مقام استيثاق على الحقوق ، لا مقام قضاء بها. والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهم، وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتى ليس معهن رجل ، لايثبت بها الحق، ولا يحكم بها القاضى ، فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو «البينة» .