فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 4557

ولكن أعداء الله لم يسكتوا إلى الأبد، بل استمرت السنة الكونية، فبعد أن أظهر الله -تعالى- نبيه ودينه في جزيرة العرب أجمع، حتى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاد الجيش بنفسه إلى تبوك لمنازلة أعظم قوى الأرض وهي الامبراطورية الرومانية، وقبض رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد ما أكمل الله له الدين، وأقام به الحجة، وترك خلفه الرجال الذين تربوا بتربيته النبوية الكريمة الطاهرة، وزكاهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتربية القرآنية، وأصبحوا أهلًا لأن يحملوا هذا الدين وأن ينشروه للعالمين، وحدثت المؤامرة وبرزت رءوسها من جديد بوفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ حصلت ردة جماعية، ونجم النفاق والكفر، وظهر من جديد في جزيرة العرب ، ولم يبق على الإسلام إلا المدينة ومكة والطائف وبنو عبد القيس في البحرين وبعض القبائل، وظهر المتنبئون الكذابون، وظهرت العداوات والأحقاد الكامنة في قلوب كثير من الناس، والضغائن التي لم يخفها إلا الخوف من قوة الإسلام وبطشه.

• 4 - جهود الخلفاء الراشدين في ردع الحاقدين على الإسلام وأهله

وقاد الصديق -رضي الله عنه- الحرب من جديد، وخرج أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة بجيوش متعددة، كل منها إلى جهة من الجهات، ونصرها الله -عز وجل- وأخضعت تلك القبائل والمناطق جميعًا، ولم تقف عند ذلك، بل انطلقت شرقًا إلى الامبراطورية الفارسية، وغربًا إلى الامبراطورية الرومانية.

وجاء الفاروق عمر رضي الله عنه فأكمل فتح البلاد، وكان مما عمله ذلك العمل الجليل العظيم وهو من أجل أعمال الفاروق -رضي الله عنه- أنه أجلى يهود خيبر لما رأى منهم العداوات والضغائن، فأجلاهم إلى أطراف الشام وإلى حيث شاءوا.

وهنا بدأ المكر يتجمع من جديد، فإن هذا الدين الذي نشره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على أيدي هؤلاء الرجال؛ قد قوض الشرك وأقام لواء التوحيد، وهدم البدع والضلالات والخرافات، وأقام السنّة على المحجة البيضاء، وهدم عروش الظلم والطغيان والفساد، وأقام حكم الله عز وجل حكم العدل والإنصاف، وهدم مجد طواغيت الشر في العالم، من القياصرة والأكاسرة، ومن دجاجلة الأديان وكهنوتها، الذين كانوا يفرضون على الناس باسم الدين التحكم في أموالهم وأعراضهم، بل وفي قلوبهم، فيملون عليهم مايريدون أن يعتقدوه.

وهدم العقائد جميعًا: اليهودية والنصرانية والمجوسية وهي أشهر وأوضع العقائد، وما تفرع عنها، وهنا كان لابد أن تكون المؤامرة، ولابد أن تتحرك الأفاعي الشريرة في الظلام، وكان مقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بيد أعداء الإسلام، وأعداء الدين أولئك يرتكبون خطأ يكررونه دائمًا ولا يتعظون منه، فهم يظنون أن هذا الدين مرتبط بشخص ما، قالوا: إذا قتلنا محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذهب الدين، ولهذا وضعت اليهودية له السم -كما في الحديث الصحيح- وظنوا أنه إذا مات سيموت دينه، بعد ما حاولت بنو النضير اغتياله، وغير ذلك من المحاولات.

ولما أن فتحت تلك البلاد في عهد الفاروق عمر ، ظن أعداء الإسلام من فرس وروم ويهود ونصارى ومجوس وجميع تلك النحل أنه إذا قتل الفاروق انتهى الدين، وهكذا دائمًا، كل من يرونه يحمل لواء الدين ولواء السنة يظنون أنه إذا حورب في ذاته انتهى الأمر، ونحن نعلم جميعًا أن هذا النظر خاطئ تمامًا، إن الأمر أمر الله عز وجل والدين دينه عز وجل وماهؤلاء الرجال إلا أناس اصطفاهم الله تعالى بالقيام بأمر دينه، فهم ينالون الشهادة، ويخلف الله بعدهم من يقوم بهذا الدين، لأنه قد وعد سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أهل دينه، وتوعد أعداءه بأن يظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون.. ولو كره الكافرون.

• مقتل الفاروق عمر رضي الله عنه

فكيف قتل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟

الثابت في مقتله أنه كان بمؤامرة مجوسية نصرانية ، ويقال إن لليهود ضلعًا في ذلك، ولكن الثابت أن جفنة النصراني شاهده بعض الصحابة هو وأبا لؤلؤة المجوسي ، الذي تولى عملية القتل، رأوهما ليلة اغتيال الفاروق وهما واقفان في الظلام، ولم يشعرا إلا وهؤلاء الناس يمرون عليهما، فسقط من بين أيديهما نصل عريض له حدان. وفي صباح تلك الليلة يغتال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإذا بذلك النصل نفسه هو الذي نفذ الجريمة الشنعاء في أمير المؤمنين رضي الله عنه وبضعة عشر نفرًا من الصحابة في الصلاة، طعنهم هذا الفاجر المجرم يمينًا وشمالًا لكي يهرب، فمنهم من استشهد ومنهم من جرح وأصيب، وكانت هذه مؤامرة، وكان هناك طرف ثالث هو الذي حرك أبا لؤلؤة وهو الهرمزان وكان ملكًا من ملوك الفرس، جيء به إلى المدينة فأظهر الإسلام، وأراد أن يهدمه، وهو الذي لقن أبا لؤلؤة المجوسي ، واتفق معه على مقتل الفاروق رضي الله عنه ولهذا قتل الهرمزان فورًا حال مقتل الفاروق رضي الله عنه.

• الفتوحات في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت