الجمهور على أن المقصود القرآن والتوراة. قال ابن كثير: (والظاهر على قراءة(سحران) أنهم يعنون التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعدها (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه) . وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله (قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس) إلى أن قال (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) . وقال في آخر السورة (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن) الآية. وقال (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) . وقالت الجن (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه) . وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. وقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابًا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذى أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذى أنزله على موسى بن عمران عليه السلام، وهو الكتاب الذى قال الله فيه (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) . والإنجيل إنما أنزل متمما للتوراة، ومحلا لبعض ما حرم على بنى إسرائيل).
السؤال: كيف يصف القرآن التوراة وقت البعثة بالهدى ؟
والجواب: أن الآية تتكلم عن التوراة المنزلة. يبين ذلك أن الآية التى قبلها تقول: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: لولا أوتى مثل ما أوتى موسى؟ أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل؟! قالوا: سحران تظاهرا. وقالوا: إنا بكل كافرون) . فتبين أن الكلام عن (ما أوتى موسى) . ولذلك يقول الزمخشرى: ("هو أهدى منهما"مما أُنزل على موسى عليه السلام ومما أنزل عليّ) .
وتقدم معنا قول ابن تيمية: (فهو سبحانه يذمهم على ترك اتباع ما أنزله في التوراة والإنجيل، وعلى ترك اتباع ما أنزله في القرآن، ويبين كفرهم بالكتاب الأول، وبالكتاب الثاني. وليس في شيء من ذلك أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ من الكتاب الأول، كما ليس فيه أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ في الكتاب الثاني) .
المسألة الثانية: (مصدقًا لما معكم) .
ورد التعبير في قول تعالى: وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) البقرة 40، 41.
وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران 81.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) النساء 47.
قدمنا أن التوراة لم تُحرف كلها، وليس كل لفظ منها مبدل. وعلى ذلك يصح أن يصدّق القرآن (لما معهم) ؛ لأن (ما معهم) فيه حظ لم يُحرف. وأهل الكتاب الذين عاصروا البعثة معهم ما يصدقه القرآن.
وقال الكلبى فى (التسهيل لعلوم التنزيل 1/46) : ("بما أنزلت"يعني القرآن"مصدقا لما معكم"أي مصدقا للتوراة. وتصديق القرآن للتوراة وغيرها، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين، له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به، ثم ظهر كما قالوا، فتبين صدقهم في الإخبار به. والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء، وأُنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم. والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة، وغير ذلك من عقائد الشرائع، فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك) .
وتقدم معنا قول ابن تيمية: (والصحيح أن هذه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب فيها ما هو حكم الله، وإن كان قد بُدل وغُير بعض ألفاظها ... فعُلم أن التوراة التي كانت موجودة بعد خراب بيت المقدس وبعد مجيء بختنصر وبعد مبعث المسيح وبعد مبعث محمد فيها حكم الله. والتوراة التي كانت عند يهود المدينة على عهد رسول الله وإن قيل إنه غُير بعض ألفاظها بعد مبعثه، فلا نشهد على كل نسخة في العالم بمثل ذلك؛ ... وكذلك في الإنجيل، قال تعالى:(وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) المائدة 47. فعُلم أن في هذا الإنجيل حكمًا أنزله الله تعالى).