قال ابن تيمية: (أما تصديق خاتم الرسل محمد رسول الله لما أنزل الله قبله من الكتب، ولمن جاء قبله من الأنبياء، فهذا معلوم بالاضطرار من دينه متواترا تواترا ظاهرا، كتواتر إرساله إلى الخلق كلهم. وهذا من أصول الإيمان. قال تعالى:(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) البقرة 136، 137. وقال تعالى: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران 84، 85. وقال تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة 177. وقال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) البقرة 285، 286. وتصديقه للتوراة والإنجيل مذكور في مواضع من القرآن. وقد قال: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) المائدة 48. وقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني) الزمر 23. وقال تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) يوسف 3. فبين أنه أنزل هذا القرآن مهيمنا على ما بين يديه من الكتب. والمهيمن الشاهد المؤتمن الحاكم، يشهد بما فيها من الحق، وينفي ما حرف فيها، ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها، وينسخ ما نسخه الله منها. وهو مؤتمن في ذلك عليها. وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص، وهذا يتضمن أنه كل مَن كان متمسكا بالتوراة قبل النسخ، من غير تبديل شيء من أحكامها، فإنه من أهل الإيمان والهدى. وكذلك مَن كان متمسكا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ، فهو من أهل الإيمان والهدى. وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل ـ فضلا عمن تمسك بشرع منسوخ ـ ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل، وما أنزل إليه من الكتب. بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول، وبترك الإيمان بمحمد في غير موضع). 1/261.
يحضرنى من طريف هذا المقام، تفسير القس (بسيط أبو الخير) للتعبير القرآنى (بين يديه) ، في كتابه (الكتاب المقدس يتحدى) !. فسرها (جنابه) فقال: (بين يديه، أي معه، مع نبي المسلمين !!) . وعلامتا التعجب من كيسه، فالرجل يتعجب بشدة، لم يصدق نفسه أنه توصل إلى هذا الكشف العبقرى المذهل !
والأكثر طرافة أنه في السطر التالى مباشرة ـ إى والله ! ـ يشرح الآية بما يخالف فهمه الحرفى من أقوال المفسرين، ولا يجد أدنى غضاضة في ذلك. قال: (قال الجلالين:"ولا بالذي بين يديه"أي: تقدمه) ! وقال أيضًا: (وجاء في صحيح البخاري ..."لما بين يديه من الكتاب"لما نزل قبله من كتب سماوية وشرائع إلهية) !
وإيغالًا في العمى والعمه يستدل بآيات لا يمكن أن يصلح معها تفسيره الحرفى بأشد أنواع التعسف. فهو يستدل بقوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) البقرة 97. يقول (جنابه) مستحقًا أرفع وسام في الغباوة: (وعبارة"مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ"تأكيد لوجود هذه الأسفار معه) ! .. فانظر كيف أعماه الله عن (مخاطبة) الآية للنبى عليه الصلاة والسلام، واعلم أن قلوبًا عليها أقفالها !
المسألة الثالثة: (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ)
(الكتاب) في الآية اسم جنس. تقولُ: (أكلتُ الطعام) وأنت أكلتَ بعضَه لا كله. فأهل الكتاب قرأوا بعض الكتاب، ونالوا حظًا من الكتاب، وبدلوا حظًا آخر.