فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 4557

وانتقلت المؤامرات بعد ذلك في صورة جديدة، حيث إن أوروبا نهضت النهضة القوية التي تعلمون، في ميدان الحياة، وفي الصناعة، وفي كل أمور الحياة المادية الدنيوية، وبذلك بدأت المعركة تأخذ طابعًا جديدًا، وألف أحد الوزراء الأوروبيين كتابًا مشهورًا مائة مشروع لتقسيم تركيا ، ذكر فيه بالتفصيل أن أوروبا بالتعاون مع الصفويين المجوس أعدت مائة مشروع لتقسيم العالم الإسلامي -الذي كانت تسميه تركيا ، لأنها كانت تحكمه بأجمعه تقريبًا- ويفشل المشروع تلو المشروع، حتى كانت الحرب العالمية الأولى، فتحقق نجاح المشاريع، وقضي على تلك الدولة، واقتسم الاستعمار الشرقي والغربي الدول المستعمرة، كما في إتفاقية (سايكس بيكو) التي قسموا العالم الإسلامي فيها وأخضعوه.

ومن هنا بدأت المؤامرة في مرحلة جديدة، وفي حرب جديدة، وهي الحرب الفكرية والمعنوية للقضاء على الإسلام، لأنهم جاءوا إلى الأمة الإسلامية وهي ممزقة، وهي ضعيفة منهكة مرهقة، وهم جاءوا بحضارات علمية وبتقدم مادي، ومعهم أيضًا خططهم الفكرية، وخطط أخرى عقلية رهيبة، فأخذوا يدبرون ويحيكون المؤامرات للقضاء على الإسلام من خلال وجودهم وقوتهم العسكرية في هذه البلاد.

الأمة الإسلامية إذا واجهت مواجهة عسكرية حربية، فإنها مهما طال الزمن فإنها ستنتصر، وهذه حقيقة أصبحت لا شك فيها في تاريخ الأمة الإسلامية، فقامت في كل بلد تقريبًا ثورات ضد هؤلاء المستعمرين الصليبيين الجدد، وكانوا في الخفاء يبيّتون لإنشاء الدولة اليهودية .

وهذا ما يدلنا على أن المؤامرة ثلاثية الأطراف: صليبية ويهودية ومجوسية ، ففي عام (1917م) أو حوله صدر"وعد بلفور"بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان الهدف منه هو إعادة بلاد فلسطين إلى ملك اليهود، أي إنشاء وطن قومي لليهود في قلب العالم الإسلامي وفي أرض الإسراء، وهذا ما مهدت له قوى الشر والمؤامرة جميعًا، وأخذ ينفذ بالتدريج، فكانت الحرب على جميع المستويات: منها حرب لأولئك المقاومين الذين قاوموا الاستعمار، وحرب أعظم وأشرس منها لهدم الإسلام من الداخل.

• 9 - من أعظم الأمور التي استهدف بها الإسلام لهدمه

ومن أعظم الأمور التي استهدفت المؤامرة للقضاء على هذا الدين:

أولًا: القضاء على العقيدة الصحيحة؛ لأنهم يعلمون أنها هي الأساس، فإذا ذهبت ذهب الإسلام، وكادوا لهذا الدين أعظم الكيد في كل مجال، وكما تعلمون أنهم أغروا الدولة العثمانية -نتيجة اشتغالها وانغماس كثير من أئمتها وعلمائها في الخرافات والضلالات- بالقضاء على الدولة التي قامت بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والتي قامت على التوحيد، وهي الدولة السعودية الأولى، فإنهم قضوا عليها، وقضت عليها مؤامرة الشر تلك.

واغتيل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ، الذي كان معاصرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله والذي كان إمامًا في العلم والتقوى والجهاد فوق كونه إمامًا في الحكم، اغتيل على يد رافضي من أولئك المجوس ، جاء إليه واغتاله كما اغتيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأن هذا الإمام هدم النجف وكربلاء ، وهدم تلك البقاع التي يشركون ويعبدون غير الله -تعالى- فيها.

ثم صفا لهم الجو بعد القضاء على هذه الدولة، وأخذوا يمزقون العالم الإسلامي كما يشاءون، حتى أنهم أحدثوا طرقًا صوفية جديدة، وأحدثوا فرقًا جديدة؛ وجاءوا على فرقة من بقايا المجوس ، وهي الفرقة التي كانت تسمى العلي إلهية وكان الأتراك يسمونها العلي إلهية ومعناها الذين يؤلهون علي بن أبي طالب فسموهم العلوية وأخذوا يمهدون لهم لكي يمكنوهم في بلاد الشام ، وأخذوا في كل مجال يهدمون العقيدة.

والمقصود أن الأساس الأول الذي أرادوا أن يهدموه هو العقيدة الصحيحة ويحلوا محلها الخرافات والضلالات، ولذلك فإن جميع الطرق الصوفية ومشائخها كانوا محل الاحترام من قبل المستعمرين.

حتى إن نابليون عندما قدم إلى مصر جمع مشائخ الطرق، وأقاموا المولد وحضر معهم واحتفلوا، وقال: أنا صرت واحدًا منكم، وهذا دين عظيم، وهو دين تسامح ومحبة وأخلاق، لأنه لا يزعج أحدًا لا مستعمر ولا عدو، وإنما فيه موالد ورقص وتسابيح وأذكار، وكلها ضلالات لا تقبل عند الله -عز وجل- وفي الوقت نفسه لا تضر أحدًا من الأعداء، فكان الأعداء حريصين على أن يظل مثل هذا الدين موجودًا.

وفي الوقت نفسه حاربوا الإسلام الحقيقي والدعوة الحقيقية، وأخذت جميع الدول الاستعمارية تذكي في نفوس الناس، أن من يدعو إلى الكتاب والسنة فإنه وهابي، وأن هذه الوهابية فرقة خارجة عن الإسلام، ويجب على جميع المسلمين أن يحاربوها، فكل من دعا إلى الكتاب والسنة وإن كان لا يعرف شيئًا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سموه وهابيًا تشنيعًا لمن يدعو إلى الكتاب والسنة، وتأييدًا لأصحاب الضلالات والخرافات والبدع، فكان هذا هو الهدف الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت