فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 4557

أليس الرق في حقيقته هو تبعية قوم لقوم آخرين ، وحرمان طائفة من البشر من الحقوق المباحة للآخرين ؟ أم هو شيء غير ذلك ؟ وماذا يعني أن يكون هذا تحت عنوان الرق ، أو تحت عنوان الحرية والإخاء والمساواة ؟ ماذا تجدي العناوين البراقة إذا كانت الحقائق التي وراءها هي أخبث ما عرفته البشرية من الحقائق في تاريخها الطويل ؟

لقد كان الإسلام صريحًا مع نفسه ومع الناس فقال: هذا رق ، وسببه الوحيد هو كذا ، والطريق إلى التحرر منه مفتوح .

أما الحضارة الزائفة التي نعيش اليوم في أحضانها ، فلا تجد في نفسها هذه الصراحة ، فهي تصرف براعتها في تزييف الحقائق وطلاء اللافتات البراقة . فقتل مئات الألوف في تونس والجزائر والمغرب لغير شيء سوى أنهم يطالبون بالحرية والكرامة الإنسانية: حريتهم في أن يعيشوا في بلادهم بلا دخيل ، وأن يتكلموا لغتهم ، ويعتقدوا عقيدتهم ، ولا يخدموا إلا أنفسهم . وحريتهم في التعامل المباشر مع العالم في السياسة والاقتصاد ... قتل هؤلاء الأبرياء وحبسهم في السجون القذرة بلا طعام ولا ماء ، وانتهاك أعراضهم والسطو على نسائهم ، وقتلهن بلا مبرر وشق بطونهن للتراهن على نوع الجنين .. هذا اسمه في القرن العشرين حضارة ومدنية ونشر لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة . أما المعاملة المثالية الكريمة التي كان يمنحها الإسلام للرقيق قبل ثلاثة عشر قرنًا ، تطوعًا منه وإكرامًا للجنس البشري في جميع حالاته ، مع إعلانه العملي بأن الرق وضع مؤقت وليس حالة دائمة ، فهذا اسمه تأخر وانحطاط وهمجية .

وحين يضع الأمريكان على فنادقهم ونواديهم لافتات تقول:"للبيض فقط"أو تقول في وقاحة كريهة:"ممنوع دخول السود والكلاب"، وحين يفتك جماعة من البيض"المتحضرين"بواحد من الملونين ، فيطرحونه أرضًا ويضربونه بأحذيتهم حتى يسلم الروح ، ورجل الشرطة واقف لا يتحرك ولا يتدخل ، ولا يهم لنجدة أخيه في الوطن وفي الدين واللغة

.فضلًا عن الأخوة في البشرية ، كل ذلك لأنه - وهو ملون - تجرأ فمشى إلى جانب فتاة أمريكية بيضاء لا عرض لها - وبإذنها لا كرها عنها - يكون هذا هو أقصى ما وصل إليه القرن العشرون من التحضر والارتفاع .

أما حين يتهدد العبد المجوسي عمر بالقتل ، ويفهم عنه عمر ذلك ، ثم لا يحبسه ولا ينفيه من الأرض ، ولا نقول يقتله ، وهو مخلوق ناقص الآدمية حقا لأنه يعبد النار ويصر على عبادتها تعصبًا منه للباطل بعد أن رأى الحق بعينيه ، فما أشد همجية عمر ، وما أشد ازدراءه لكرامة الجنس البشري لأنه قال:"تهددني العبد"! ثم تركه حرًا حتى ارتكب جريمته فقتل خليفة المسلمين ، لأنه لم يكن يملك عليه سلطانًا قبل أن يقترف الجريمة .

وقصة الملونين في أفريقيا ، وحرمانهم من حقوقهم البشرية وقتلهم أو"اصطيادهم"حسب تعبير الجرائد الإنجليزية الوقحة ، لأنهم تجرأوا فأحسوا بكرامتهم وطالبوا بحريتهم ، هذا هو العدل البريطاني في قمته ، والحضارة الإنسانية في أوجها ، والمبادئ السامية التي تجيز لأوربا الوصاية على العالم . أما الإسلام فهو همجي جدًا لأنه لم يتعلم"اصطياد"البشر ، والتلهي بقتلهم لأنهم سود البشرة . بل وصل توغله في التأخر والانحطاط أن يقول:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة .."

أما المرأة فلها حساب آخر .

كان الإسلام قد أباح للسيد أن يكون عنده عدد من الجواري من سبى الحرب ( ) يستمتع بهن وحده ، ويتزوج منهن أحيانًا إذا شاء . وأوربا تستنكر هذا اليوم وتتعفف عن هذه الحيوانية البشعة التي تعتبر الجواري متاعًا مباحًا ، وأجسادًا لا حرمة لها ولا كرامة ، كل مهمتها في الحياة إشباع لذة بهيمية بغيضة ، لرجل لا يرتفع عن مستوى الحيوان .

وجريمة الإسلام الحقيقية في هذا الأمر أنه لا يبيح البغاء ! فقد كانت أسيرات الحرب في البلاد الأخرى يهوين إلى حمأة الرذيلة بحكم أنه لا عائل لهن ، ولأن سادتهن لا يشعرن نحوهن بحمية العرض ، فيشغلونهن في هذه المهمة البغيضة ، ويكسبون من هذه التجارة القذرة: تجارة الأعراض . ولكن الإسلام - المتأخر - لم يقبل البغاء ، وحرص على حفظ المجتمع نظيفًا من الجريمة ، فقصر هؤلاء الجواري على سيدهن ، عليه إطعامهن وكسوتهن وحفظهن من الجريمة ، وإرضاء حاجتهن الجنسية - عرضًا - وهو يقضي حاجته .

أما ضمير أوربا فلا يطيق هذه الحيوانية ... ولذلك أباحت البغاء ومنحته رعاية القانون وحمايته ! وراحت تنشره عامدة في كل بلد وطئته أقدامها مستعمرة . فما الذي تغير من الرق حين تغير عنوانه ؟ وأين كرامة البغي وهي لا تملك رد طالب - وما يطلبها أحد إلا لأقذر معنى يمكن أن تهبط إليه البشرية: دفعة الجسد الخالصة التي لا تلطفها عاطفة ، ولا ترتفع بها روح ؟ وأين من هذه القذارة الحسية والمعنوية ما كان بين السادة والجواري في الإسلام ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت