فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونترك الشيوعيين هنيهة ، فنجد علماء النفس والاجتماع مختلفين فيما بينهم اختلافًا شديدًا في تحديد ما هو فطري وما هو مكتسب في سلوك الإنسان ومشاعره وأفكاره . وهم مختلفون بطبيعة الحال في أمر الملكية الفردية: هل هي نزعة فطرية يولد بها الإنسان بصرف النظر عن الظروف المحيطة به ، أم أنها من أثر البيئة ، أي أن الذي يدفع الطفل إلى التشبت بلعبة وأشيائه هو عدم كفايتها ، ومحاولة غيره أخذها منه ، فحين يوجد عشرة أطفال ولعبة واحدة لا بد أن يتنازعوا عليها ، ولكن حين يكون للأطفال العشرة عشرة لعب يكتفي كل واحد بلعبته ويبطل النزاع ..
ولنا على هؤلاء وهؤلاء بعض الملاحظات:
أولًا: أن أحدًا من أولئك العلماء لم يستطع أن يجزم بأن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية ، وكل ما قاله اليساريون منهم هو أنه لا يوجد دليل قاطع على أنها نزعة فطرية . وفرق بين هذا وبين النفي البات ، ولو قد وجدوا دليلًا يقينًا ينفيها ما ترددوا في نفيها ، لأنهم بعواطفهم ينفرون منها .
ثانيًا: أن المثل الذي يضربونه - مثل الأطفال واللعب - ليست له الدلالة التي يريدون أن يستخرجوها منه . فحين يوجد عشرة أطفال وعشر لعب ثم يبطل النزاع بينهم ، لا يدل ذلك على عدم وجود نزعة فطرية للملكية ، وإنما يدل فقط على أن هذه النزعة - في الحالات السوية - يمكن أن ترضي بالمساواة المطلقة بين الجميع . وهذا لا ينفي أصلها ، وإنما يحدد مداها . على أن المشاهد في مثل هذه الحالة أن الكثيرين من الأطفال يحاولون الحصول على أكثر مما في أيديهم بسلب زملائهم الآخرين لعبهم ، ما لم يكن هنالك مانع خارج عن إرادتهم!
ثالثا ً: أن الفترة الملائكية التي يفترض الشيوعيون وجودها في المجتمع الأول ( ونحن لا نملك دليلًا يقينيًا عليها ) لم تكن فيها وسائل إنتاج ، فكيف كان يمكن أن يقوم النزاع على شيء غير موجود ؟ كانت الأشجار تمدهم بالغذاء مباشرة وبلا جهد ، وكان الصيد الذي يصطادونه يحتاج بطبيعته إلى الاشتراك فيه خوفًا من افتراس الوحوش لمن يخرج بمفرده ( ومع ذلك فنحن لا نستطيع أن نجزم بأن أفرادًا من الشجعان لم يكونوا يخرجون للصيد بمفردهم إثباتًا لشجاعتهم وتميزهم ، وهذه مسألة مهمة جدًا سنعود إليها بعد لحظة ) ولم يكن في الإمكان تخزين الصيد لأنه ينتن ، فلا بد من الإجهاز عليه في ساعته . فعدم التنازع هنا لا يدل بذاته على عدم وجود النزعة للملكية الفردية ، وقد يكون ناتجًا من عدم وجود ما يتنازع عليه ، بدليل أنه منذ اكتشفت الزراعة بدأ الصراع ، أي تحركت النزعة الكامنة التي لم تكن تجد من قبل دافعًا للتحرك .
رابعًا: أن أحدًا لم ينف لنا قيام الصراع بين الرجال في ذلك الحين على"امتلاك"امرأة . فعلى الرغم من وجود"الشيوعية الجنسية"في تلك الفترة كما يزعم الشيوعيون فإن أحدًا لم يزعم أنها كانت سائدة مائة في المائة في هذا المجتمع الأول ، ولم يمنع وجودها من قيام المعارك على امرأة بعينها لأنها أجمل من غيرها في نظر المتعاركين . وهنا إحدى العقد التي نبحث عنها ، والتي نعتقد أن لها أهميتها العظمى في الموضوع . فحيث تكون كل الأشياء متشابهة ومتساوية قد يبطل الصراع . أما حين تختلف القيم والأشياء علوًا وسفلًا في نظر الناس ، فهنا ينشأ الصراع والعراك حتى في المجتمع الملائكي الذي يتصوره الشيوعيون ، ويبنون على وجوده كل أحلامهم عن المستقبل البعيد .
خامسًا: وأخيرًا أن أحدًا لم ينف وجود الرغبة في التميز في ذلك المجتمع الأول . التميز بالشجاعة أو بالقوة أو بالصبر أو بأي صفة من الصفات . وهذه هي بعض القبائل التي تعيش اليوم في حالتها البدائية ، والتي يقيس عليها الشيوعيون المجتمع الشيوعي الأول ، تأبى تزويج بناتها إلا لمن يحتمل مائة جلدة بالسوط دون أن يضعف أو يتأوه . فلماذا ؟ ولأي سبب يقبل الشاب على هذا الامتحان ويرغبون في إثبات التميز ؟ وإذا كان كل شيء يسير على مبدأ المساواة المطلقة ، فما الذي يدفع إنسانًا أن يقول: أنا لست مساويًا للآخرين ، بل أفضل منهم ؟ هنا عقدة أخرى من العقد التي نبحث عنها ونعتقد بأهميتها . فعلى فرض أن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية في ذاتها ، فقد ارتبطت بنزعة فطرية أخرى هي حب التميز ، ارتباطًا لم تنج منه منذ أول عصور البشرية .
ونترك هذه المباحث النظرية لنتحدث عن الملكية الفردية في الإسلام .
يقول الشيوعيون إن الملكية الفردية قد صاحبها الظلم على مدار التاريخ ، وإنه لا بد من إلغائها إذا أريد للبشرية أن تستقر وتهدأ من الصراع . وبصرف النظر عن إغفال الشيوعيون لأثر النزعات الفردية في تقدم البشرية ، وإغفالهم لحقيقة أخرى هي أن البشرية لم تتقدم في فترة الشيوعية الأولى ، وإنما بدأت تتقدم بعد النزاع على الملكية ، أي أن الصراع ليس شرًا خالصًا ، وأن وجوده - ولكن في حدود معقولة - ( ) ضرورة نفسية واجتماعية واقتصادية .