فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 4557

وجاءت الحرب العظمى الأولى . وقتل عشرة ملايين من الشباب الأوربيين والأمريكان . وواجهت المرأة قسوة المحنة بكل بشاعتها . فقد وجدت ملايين من النساء بلا عائل . إما لأن عائلهن قد قتل في الحرب ، أو شوه ، أو فسدت أعصابه من الخوف والذعر والغازات السامة الخانقة ، وإما لأنه خارج من حبس السنوات الأربع يريد أن يستمتع ويرفه عن أعصابه ، ولا يريد أن يتزوج ويعول أسرة تكلفه جهدًا من المال والأعصاب .

ومن جهة أخرى لم تكن هناك أيد عاملة من الرجال تكفي لإعادة تشغيل المصانع لتعمير ما خربته الحرب . فكان حتمًا على المرأة أن تعمل وإلاّ تعرضت للجوع هي ومن تعول من العجائز والأطفال . وكان حتمًا عليها كذلك أن تتنازل عن أخلاقها . فقد كانت أخلاقها قيدًا حقيقيًا يمنع عنها الطعام ! إن صاحب المصنع وموظفيه لا يريدون مجرد الأيدي العاملة ، فهم يجدون فرصة سانحة ، والطير يسقط من نفسه - جائعًا - ليلتقط الحب . فما الذي يمنع من الصيد ؟ ألعله الضمير ! ؟ وما دامت قد وجدت - بدافع الضرورة - امرأة تبذل نفسها لتعمل ، فلن يتاح العمل إلا للتي تبذل نفسها للراغبين .

ولم تكن المسألة مسألة الجوع إلى الطعام فحسب .

فالجنس حاجة بشرية طبيعية لا بد لها من إشباع . ولم يكن في وسع الفتيات أن يشبعن حاجتهن الطبيعية ولو تزوج كل من بقي حيًا من الرجال ، بسبب النقص الهائل الذي حدث في عدد الرجال نتيجة الحرب . ولم تكن عقائد أوربا وديانتها تسمح بالحل الذي وضعه الإسلام لمثل هذه الحالة الطارئة ، وهو تعدد الزوجات. لذلك لم يكن بدٌّ للمرأة أن تسقط راضية أو كارهة لتحصل على حاجة الطعام وحاجة الجنس ، وترضي شهوتها إلى الملابس الفاخرة ، وأدوات الزينة ، وسائر ما تشتهيه المرأة من أشياء .

وسارت المرأة في طريقها المحتوم ، تبذل نفسها للراغبين ، وتعمل في المصنع والمتجر ، وتشبع رغائبها عن هذا الطريق أو ذاك ، ولكن قضيتها زادت حدة . فقد استغلت المصانع حاجة المرأة إلى العمل ، واستمرت في معاملتها الظالمة التي لا يبررها عقل ولا ضمير ، فظلت تمنحها أجرًا أقل من أجر الرجل الذي يؤدي نفس العمل في نفس المكان .

ولم يكن بد من ثورة . ثورة جامحة تحطم ظلم أجيال طويلة وقرون .

وماذا بقي للمرأة ؟ لقد بذلت نفسها وكبرياءها وأنوثتها ، وحرمت من حاجتها الطبيعية إلى أسرةٍ وأولادٍ تحسّ بكيانها فيهم ، وتضم حيواتهم إلى حياتها ، فتشعر بالسعادة والامتلاء . أفلا تنال مقابل ذلك - على الأقل - المساواة في الأجر مع الرجل: حقها الطبيعي الذي تقرره أبسط البديهيات ؟

ولم يتنازل الرجل الأوربي عن سلطانه بسهولة . أو قل لم يتنازل عن أنانيته التي فطر عليها . وكان لا بد من احتدام المعركة ، واستخدام جميع الأسلحة الصالحة للعراك .

استخدمت المرأة الإضراب والتظاهر . واستخدمت الخطابة في المجتمعات . واستخدمت الصحافة . ثم بدا لها أنها لا بد أن تشارك في التشريع لتمنع الظلم من منبعه ، فطالبت أولًا بحق الانتخاب ، ثم بالحق الذي يلي ذلك بحكم طبائع الأشياء ، وهو حق التمثيل في البرلمان . وتعلمت على نفس الطريقة التي يتعلم بها الرجل ، لأنها صارت تؤدي نفس العمل ، وطالبت كنتيجة منطقية لذلك أن تدخل وظائف الدولة كالرجل ، ما داما قد أعدا بطريقة واحدة ، ونالا دراسة واحدة .

تلك قصة"كفاح المرأة لنيل حقوقها"في أوربا . قصة مسلسلة ، كل خطوة فيها لا بد أن تؤدي إلى الخطوة التالية ، رضي الرجل أو كره ، بل رضيت المرأة أو كرهت ، فهي ذاتها لم تعد تملك أمرها في هذا المجتمع الهابط المنحل الذي أفلت منه الزمام ( ) .

ومع ذلك كله فقد تعجب حين تعلم أن انجلترا - أم الديمقراطية - ما تزال إلى هذه اللحظة تمنح المرأة أجرًا أقل من أجر الرجل في وظائف الدولة ، رغم أن في مجلس العموم نائبات محترمات ! !

ونعود إلى وضع المرأة في الإسلام ، لنعرف إن كانت ظروفنا التاريخية والجغرافية والاقتصادية والعقيدية والتشريعية ، تجعل للمرأة"قضية"تكافح من أجلها ، كما كان للمرأة الغربية قضية ، أم إنها شهوة التقليد الخالصة ، والعبودية الخفية للغرب - التي تجعلنا لا نبصر الأشياء بعيوننا ، ولا نراها في حقيقتها - هي التي تملأ الجو بهذا الضجيج الزائف في مؤتمرات النساء ؟ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت